كشف أسماء طلبة مدرسة العثمان عام 1964

نبدأ مع لحظة دخول المعلم إلى الفصل , تلك اللحظة التي تنقل الطلبة من حال الفوضى إلى حال النظام . نجاح المعلم في إدارة اللحظات الأولى من دخوله إلى الفصل هي ما تقيس قدرته على إرساء النظام و الانضباط ضمن الطلبة و بناءعليه قدرته على خلق بيئة مناسبة للتعلم . و من أساسيات إدارة الفصل التأكد منذ بداية الحصة المقررة من عدد الطلاب المتواجدين داخل الفصل و ذلك عن طريق مناداة الأسماء المدونة في كشف الغياب . و وفقاً للوائح تقييم المعلم المعمول به حالياً في وزارة التربية فإن المعلم يحاسب في حال إهماله إحضار كشف الغياب الخاص بالفصل إذ يعد إهماله هذا تشجيعاً للطلبة على التسيب و التأخر في الحضور إلى الفصل إن لم يتجاوز هذا الإهمال حد الغياب الكامل سواء برغبة الطالب أو لضررٍ أصابه دون أن يعلم أحد بغيابه . و قد وجدنا من خلال تصفحنا لدفتر التحضير للمعلم عبد العزيز أن هذا النظام هو ما كان معمولاً به في مدرسة العثمان . فكما يتبين لنا من الصورة المقابلة ,  حرص المعلم عبد العزيز على وجود كشف بأسماء الطلبة في حوزته مدوناً فيه اسم الطالب و رقمه التسلسلي . ليس هذا فحسب , بل نجد إلى جانب بعض الأسماء عذر الغياب سواء كان دائماً أو مؤقتاً ملخصة في أربع أسباب ( انتقل – خرج – غوص – مات ) .   

من كشف غياب طلبة مدرسة العثمان عام 1946من كشف غياب طلبة مدرسة العثمان 1946

 

إذاً الآن بداية الحصة و سينادي المعلم أسماء طلاب الصف الأول ليعلم الحاضر منهم  و الغائب . انتهى المعلم من قراءة كشف الأسماء وهناك ثمانية طلاب لم يعلن حضورهم إلى الفصل . إذاً إما هم غائبون عن حضور اليوم الدراسي بأكمله أو متأخرون عن حضور الحصة . دقائق تمر و ها هم الطلبة الثمانية يهمون بالدخول إلى الفصل بعد طلب الإذن من معلمهم . يسمح لهم المعلم بالدخول لكن ليس قبل أن يطبق إحدى أهم قواعده في إدارة الفصل و هو مخالفة الطلبة المتأخرين

أسماء الطلبة المتأخرين  عن حضور الفصل

 

 

فقد دون المعلم عبد العزيز في بداية الدفتر أسماء المتأخرين حرصاً منه على إرساء النظام و إعلام الطلبة المتأخرين منهم و المتواجدين داخل الفصل أن التأخر عن حضور الحصة لن يمر دون إنذار . و تعد كتابة الأسماء هي إحدى أفضل الوسائل التي تمكن المعلم من إيصال تلك الرسالة إذ بمجرد أن يرى الطالب المعلم و هو يدون إسمه لمخالفةٍ ارتكبها حينها فقط تترسخ إمكانية العقاب في ذهنه في حال تكراره المخالفة . و بناءً على المراجع الواقعة بين أيدينا و صيت المعلم عبدالعزيز العثمان و سمعته بين أفراد عائلته و طلبته و زملائه فهو لم يكن يوماً ممن انتهجوا الضرب أو الإساءة اللفظية وسيلةً لعقاب الطالب أياً كانت مخالفته أو خطؤه, بل كان رحمه الله ممن انتجهوا مبدأ الإصلاح بالقول الحسن  و التأديب بإرساء نموذج القدوة الحسنة .

بعد أن دوَّن المعلم عبد العزيز أسماء الطلبة المتأخرين عن حضور الفصل ليوم السبت سينتقل الآن إلى الدرس الأول لليوم و هو الفقه . و عليه يتبين لنا أنه عندما يتم المعلم الإجراءات الأولية لإدارة الفصل و يسيطر على مختلف عناصره , حينها فقط عليه أن يبدأ بشرح الدرس في بيئة تعليمية مناسبة لكلا الطالب المتلقي و المعلم الفاعل . لكن قبل أن ننتقل إلى صلب العملية التعليمية لا بد لنا من أن نتأمل إحدى المحاور الأساسية التي صبغت العملية التعليمية في ذلك الوقت ألا و هو نموذج  " المعلم الشامل " . في ذلك الوقت لم تكن المناهج الدراسية مبنية على ذات التعمق في التخصص العلمي كما هو عليه الحال في عصرنا الحالي, بل قامت على تعليم المبادئ الأساسية في مجالات العلوم  و الرياضيات و اللغة الإنجليزية من جهة  و التعمق في مجالات الفقه و اللغة العربية بكافة تشعباتها من قراءة و مطالعة و خط و إملاء من جهة أخرى . و لم تقتصر هذه السمة على العملية التربوية في الكويت قديماً بل هي سمة عالمية صاغت صورة التعليم في مختلف أنحاء العالم حيث وقع التركيز دوماً على تعليم أفراد المجتمع لغته الأم و دينه  و ترسيخ منظومة معتقداته إلى جانب تعليمه المبادئ الأساسية العلمية التي تمكن أفراد هذا المجتمع من القيام بواجباته و وظائفه على أكمل وجه .

 

 

 و هنا يأتي مفهوم " المعلم الشامل " حيث اعتاد المعلم أن يتولى تدريس الفصل المناط به جميع المواد الدراسية المطلوبة و قد  كان المعلم حينذاك مؤهلاً لتحمل أعباء تلك المسؤولية على أكمل وجه . و يتبين لنا من صورة جدول الحصص الخاص بالمعلم عبد العزيز تنوع المواد الدراسية التي تولى تدريسها من لغة عربية   و فقه و حساب و علوم  و حتى الألعاب مقسمة إلى خمسة دروس( حصص دراسية) على مدى أيام الأسبوع ما عدا الجمعة .  

جدول حصص مدرسة العثمان الصف الأول عام 1946

و عليه يتبين لنا أن هناك محورين ميزا صورة المعلم الشامل في تلك الحقبة التربوية ألا  وهما الدور التربوي و الدور المعرفي . نبدأ مع الدور التربوي الذي يلعبه المعلم  وفقاً لرؤية مجتمعه . فها هو المعلم عبد العزيز يبدأ نهاره مع فصله و ينهيه مع ذات الفصل . وجود المعلم مع ذات مجموعة الطلاب لا بد له أن يبني رابطاً قوياً بين المعلم   و طلابه , رابطاً أسرياً يتجسد فيه المعلم صورة الأب و القائد , دون أن نغفل حقيقة أنه يتوقف على شخص المعلم ذاته نجاحه أو فشله في إرساء القدوة الحسنة المتمثلة في صورة الأب الصالح و القائد الناجح. فهذا الارتباط بين المعلم و طلابه من شأنه أن يسند الدور التربوي المناط بالمعلم الذي أصبح يعرف طلابه بشكل مقرب  و مكثف بحيث تبينت له خصائص كل طالب على المستوى العلمي  و الأخلاقي  و السلوكي  , و عليه تتوقف كيفية تعامله مع كل طالب على حدى كما يتعامل الأب مع أبنائه بذات روح المحبة على اختلافهم . و قد حرص الأهل و  المجتمع على أن يعي أبناؤهم أهمية احترام المعلم و الاقتداء به و الأخذ بنصحه  و إرشاده . فاعتاد الطالب في تلك المرحلة أن يرى في المعلم أكثر من مجرد أستاذ مادة ينتهي دوره بمجرد سماع الجرس حيث يلملم أغراضه من على الطاولة  و يهرع مسرعاً خارج الفصل , بل هو أكثر من ذلك بكثير ,  هو ركن من أركان حياته الراسخة التي يقف عليها بثبات متطلعاً إلى السماء, هو الأب هو القائد هو الأخ الأكبر .   

إذا ما وضعنا الدور التربوي جانباً يتبين لنا أن الحمل الوظيفي الذي اعتاد المعلم أن يؤديه يفوق بكثير الحمل الذي يتحمله المعلم في الوقت الحاضر . فبينما يتوقف على المعلم في وقتنا الحاضر مسؤولية إعداد التحضير الخاص بمادته فقط نجد أن المعلم الشامل و قعت عليه مسؤولية إعداد التحضير الخاص بمختلف المواد التي يتولى تدريسها في الفصل . فها هو دفتر التحضير الخاص بالمعلم عبدالعزيز يشتمل على تحضير الفقه و اللغة العربية و اللغة الإنجليزية و التاريخ بكافة بنودها المطلوبة وفق معايير ذاك الزمن و لو توفرت لدينا دفاتر التحضير الأخرى الخاصة به لوجدنا بكل تأكيد التحضير الخاص بمادتي العلوم و الحساب . و سيتبين لنا لاحقاً مدى استيفاء المعلم عبد العزيز لبنود التحضير الأساسية المطلوبة في كل مادة لضمان نجاح المعلم في تحقيق أهدافه داخل الفصل و القيام بمسؤوليته في الشرح على أكمل وجه ممكن . أيضاً من شأن هذا الشمول و التنوع في مجالات العلم أن يضفي على المعلم هيبة العالم المتنور التي تتجاوز الصورة النمطية المحدودة للمدرس الذي لا يفقه إلا في مجال مادته و بقدر المطلوب منه ضمن المنهج . و تعد  تلك الصورة النمطية المحدودة من أهم العقبات التي تواجهها الجهات الرسمية في وقتنا الحاضر فيما يتعلق بتطوير العملية التربوية من خلال تنمية قدرات المعلم و مؤهلاته بداية من التركيز على استخدام مصطلح المعلم بدلا من المدرس و ذلك لشمولية مصطلح المعلم   و ارتباطه بالتنور المعرفي .  فعلى سبيل المثال نجد الآن أن بند الإنماء المهني يعد من البنود الأساسية في تقييم المعلم السنوي سواء من خلال إعداد و إدارة الاجتماعات الفنية أو من خلال إقامة الورش و الدورات على تنوعها المعرفي  و المشاركة فيها . أيضاً يشار إلى اتجاه وزارة التربية في دولة الكويت إلى منح رخص للمعلمين تجدد دوريا كل خمس سنوات بشرط اجتياز المعلم لمجموعة اختبارات يقاس فيها مدى تطور مهاراته الوظيفية التربوية و التعليمية  و المعرفية .  

هذا كله يهدف في جوهره إلى إعادة المعلم إلى الدور الذي خلق له ألا و هو المربي و العالم , هذا الدور الذي اعتاد أن يضع فيه المجتمع المعلم ضمن مصاف الوجهاء و الناصحين .

 


 

عدد الزائرين:

93 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr