إرث و رؤية

 

 

 الدراسة و طلب العلم . مفهومان اعتدنا سماعهما جنباً إلى جنب في كل المحافل و الخطب و الدروس حتى اختلط علينا الأمر و ظننا أن كلاهما يعبران عن ذات الرحلة التي يقطعها الإنسان في حياته و ربما هذا هو المطب الأكبر الذي وقعت فيه عملية التربية و التعليم  في العالم العربي ناهيك عن العالم بأسره . فالواقع أن الدراسة و طلب العلم رحلتان تختلفان في الدافع و الطريق و الهدف . فبينما تعد الدراسة عملية شمولية تقبل مدخلات و تنتج مخرجات وفقاً لرؤية المجتمع الممثلة بخطة الدولة و نهجها قياساً على النسب و الأرقام  الواردة في خططها المستقبلية , ثم يقاس نجاحها رقمياً اعتماداً على مبدأ التقويم و الامتحان في سبيل تحقيق هدف نهائي هو توفير قوة بشرية عاملة تنهض باقتصاد الدولة في جميع المجالات , فإن عملية طلب العلم في المقابل هي رحلة فردية تتعلق بذات الإنسان و دوافعه و عواطفه و نضجه النفسي و العقلي و الروحي. فمنذ اللحظة الأولى التي يولد فيها الإنسان إلى هذا العالم تلتقطه أيدينا من أهل و مجتمع و معلمين و سرعان ما نبدأ نتناقله نحن بين أيدينا عبر الأيام و السنين غير مدركين معظم الوقت لمدى هشاشة هذه الروح التي يحلو لنا أن نتقاذفها بيننا  دون أن نعي أن في واقع الأمر أنما نحن نتشارك جميعاً المسؤولية في تشكيل وعي و رسم مستقبل و تحديد خيارات بل   و تقرير مدى سعادة هذه الروح و شقائها. فإن كانت مسؤولية أب أو أم عن ستة أو ثمانية أو عشرة أطفال هي بهذه الجسامة و العظم فكيف بحال المعلم المسؤول في السنة الواحدة عن 125 طالب على أقل تقدير و غيرهم و غيرهم على مدار عشرات السنين .

 صحيح أن العملية التربوية و التعليمية هي عملية تكاملية مثلثة الأضلاع أطرافها الأهل و الطالب و المدرسة , لكن تبقى الركيزة الأساسية في هذه العملية التي تضمن نجاحها و استقرارها متجسدة في شخص المعلم ذاته . و عند الحديث عن المعلم في بداية القرن الواحد و العشرين مقارنة بالمعلمين الذين تناولناهم في هذا الكتاب ممن عاصروا التعليم في بداية القرن العشرين فإن أول ما يستغرب له العقل أن الطفرة الاستثنائية التي واكبت عملية التطور التعليمي في كيانها الإداري و العمراني و المعرفي  و التقني قد شهدت في ذات الوقت تقهقراً لم يسبق له مثيل في وضع المعلم تربوياً معرفياً و اجتماعياً , فكان من نتيجة هذا الضعف الذي أصاب العنصر الإنساني الأهم في عملية التعليم أن انعكس سلباً على الطلبة و مخرجات التعليم   العام . فإذا ما  تساءلنا عن الأسباب التي تقف  وراء هذا التردي في وضع المعلم  فسنجد أنها عديدة منها ما يتعلق بسياسة الدولة في نهجها التربوي و منها ما يتعلق بقيم المجتمع ومنها ما يتعلق بذات المعلم .

بدايةً برأس الهرم حيث يكمن السؤال الأكثر أهمية :  ما هي رؤية الدولة للمستقبل الذي تصبو إليه ؟ اعتماداً على إجابة هذا السؤال تضع الدولة خططها المستقبلية ابتداءً بالتربية و التعليم و على الأخص ما يتعلق ببند تطوير المناهج . لم المناهج بالذات ؟ لأن المنهج يحمل في منظومته إلى جانب المادة النظرية الصرف عناصر تعليمية أخرى بالغة الأهمية منها أسلوب و طرق التدريس التي ستؤطر وظيفة المعلم داخل الفصل , المهارات العملية و القيم الأخلاقية و السلوكية المتوقع إيصالها إلى الطالب , ماهية الهوية و عناصر الانتماء التي ستتشكل لدى الطالب على امتداد مراحل التعليم و ذلك كله ضمن البيئة المدرسية التي تراها الدولة الأمثل لتحقيق الهدف النهائي من وضع المنهج .

 و الهدف النهائي الذي تصبو إليه أي دولة في مجال التربية و التعليم يمكن اختزاله في ثلاث كلمات : خلق مواطن صالح . و إن كان هذا الهدف عالمياً تجتمع عليه كل الدول إلا أن الاختلاف يكمن في ماهية المواطن الصالح ضمن تعريف كل دولة على حدى . فتعريف المواطن الصالح في قاموس جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية يختلف تماماً عن تعريف المواطن الصالح في قاموس الولايات المتحدة الأمريكية .  فعلى سبيل المثال لا الحصر سنجد أن الطالب ضمن التعريف الصيني ستتشكل هويته وفق منظومة العمل لمصلحة الكل كجزء لا يتجزأ من نسيج  المجتمع و حركته  دون اعتبار للأنا التي ينظر إليها كشر كامن يمزق وحدة المجتمع و يهدد استقراره , أما الطالب ضمن التعريف الأمريكي فستتشكل هويته وفق منظومة تعتمد الحرية الشخصية و الاستقلالية و الفردية في الحقوق و الواجبات و الحق في السعي وراء السعادة ( و هو الحق المذكور نصاً  في الدستور الأمريكي و المكفول لكل مواطن  )  حتى إذا ما حصل تعارض مع قيم المجتمع فالغلبة في المبدأ هي لحقوق الأنا الني تعتبر الإنسان كينونة مستقلة في حد ذاتها تمتلك الحق في تقرير منظومة قيمها  . و اعتماداً عليه يمكن لنا أن نتخيل بيئة الفصل في كل من الحالتين . ففي الرؤية الصينية المثالية  للتعليم السيطرة المطلقة هي في يد المعلم الذي يمثل رمز السلطة و الذي يستمد هيبته من هيبة الدولة التي لا تتسامح مع الفوضى بأي صورة كانت , و عليه فالطلاب في الفصل هم في وضع العامل المتلقي الذي يؤدي عمله كوحدة متجانسة تحت قيادة معلمهم دون اعتراض أو نقاش أو إهمال أو تكاسل من أحدهم لأن في ذلك تعطيل لمصلحة الكل إذ أن في هذه الحالة نجاح الفرد يتحقق فقط بنجاح الجميع . أما الرؤية الأمريكية المثالية للتعليم فترى في المعلم مرشداً لطلبته و صديقاً ناصحاً تقتصر مهمته على منح الطالب الأدوات اللازمة للسعي وراء الأجوبة و الحلول و تحقيق استقلاليته المطلقة في العمل و التفكير و الإنجاز حتى إذا ما تحقق هذا الهدف فسيتحقق تباعاً نجاح المجتمع الذي سيقاس حينها بنجاح كل فرد فيه . و رغم الاختلاف الجذري في الرؤيتين الصينية و الأمريكية و رغم الصعوبات  و الانتكاسات التي واجهتها  مسيرة كل دولة عبرالتاريخ الحديث فقد نجحت كلتا الدولتين في تحقيق قدرها الذي عملت من أجله  و كلاهما الآن من القوى الاقتصادية و السياسية العظمى , و إن كان قدر الولايات المتحدة الأمريكية قد تجسد أكثر في صورة القائد العالمي في المجال السياسي و العسكري و الثقافي بينما تجسد قدر الصين في صورة المارد الاقتصادي العملاق الذي خرج من عنق الزجاجة ليشهد العالم بأسره على نجاحه . أما السبب وراء نجاح كل من الدولتين فيكمن في وضوح الرؤية لدى تصور كلتيهما لهوية مجتمعها  و مستقبلها , و الأهم أن الرؤية التعليمية  عند كليهما نبعت من تاريخ الشعب و تجربته و توحده في الجوهر حول منظومة قيمه و تقاليده التي توارثها و عليه لم تستورد تجربته في التعليم  من الخارج ,  و للأسف هذا ما لا نستطيع قوله فيما يتعلق بالرؤية التعليمية في الوطن العربي . فإن كانت الرؤية التعليمية في الوطن العربي ضبابية تعاني التخبط فلأن الوطن العربي قد أمضى تا ريخه منذ عهد الاستقلال و هو يعاني من أزمة حادة في مفهوم الهوية .

إذا ما عدنا إلى مفهوم الهوية  وفقاً لما يراه الكاتب و المفكر اللبناني أمين معلوف  في كتابه  الهويات القاتلة  فسنجد أنها منظومة مركبة من عدة عناصر تتغير أولوياتها و قوتها في نفس الإنسان وفقاً للتجارب التي يعيشها , و هذا التغير في الأولويات هو الذي يدفعه إلى تشكيل منظور للواقع يعتمد عليه في اتخاذ القرارات .  لنأخذ هذا المفهوم و نطبقه على الهوية العربية و نحللها إلى عناصرها الأساسية سنجدها على النحوالتالي : الانتماء الديني , الانتماء العروبي , الانتماء الوطني , الانتماء القبائلي . إذا ما تصفحنا التاريخ العربي الحديث بشكل سريع سنجد أن العناصر الثلاث الأولى عاشت عصراً ذهبياً بكونها العنصر ذو الأولوية العليا الذي  يطغى على بقية العناصر الأخرى . نبدأ بالانتماء العروبي الذي بدأ عصره الذهبي في زمن الاستقلال ليصل إلى ذروته أبان عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر . القضية الأولى هي القضية الفلسطينية بلا منازع و الهدف النهائي هو توحيد دول الوطن العربي من المحيط إلى الخليج فيما يسمى بالوطن الأكبر حيث لا انتماء إلا الانتماء العربي . هذا الفكر الشمولي حتى يتحقق و بسرعة كان لا بد معه من القضاء على وجود الأقليات بالمعنى السياسي لأن الأقليات دائماً ما تنزع إلى الاستقلال في رأيها و وجودها, فواكب هذا الفكر الذي لاقى ترحيباً شعبوياً في مختلف الأقطار العربية حكماً عسكرياً استخدم أدوات القمع و الترهيب و المراقبة اللصيقة على الأفراد  و الجماعات و دائماً ما كانت الذريعة هي القضية الفلسطينية  و محاربة قوى الاستعمار . في المقابل فإن هناك دولاً عربية لم تر مستقبلها في الانصهار العروبي الشامل لكن واجهت صعوبة في الاعتراض علناً و بصراحة على ما يجري خصوصاً مع تأثر شعوبها بقوة الإعلام  و الدعاية التي روجت للوطن العربي الأكبر فما كان أمامها من خيار إلا أن تواكب نوعاً ما هذا التيار الجارف حفاظاً على استقرارها لكن في ذات الوقت وجدت نفسها مضطرة هي أيضاً لتطبيق ذات النهج الرقابي اللصيق على شعوبها , و إن بدرجات مختلفة وفقاً لطبيعة نظام الحكم  و علاقته بالشعب و درجة الخطورة التي تتهددها , وذلك خوفاً من محاولات انقلاب تجري تحت ذرائع القومية العربية . عام 1967م هو العام الذي جسد إمكانية تحقيق الحلم العربي بالقضاء على إسرائيل حتى أن الجميع تأهب للاحتفال بالانتصار التاريخي الذي رآه العرب قريب المنال على بعد ساعات فقط من الإعلان الرسمي ليفاجأ الجميع بوقائع هزيمة نكراء أسقطت أسطورة الحلم العربي بالضربة القاضية في أوج مجدها و لا تزال ظلالها تخيم على التاريخ العربي حتى يومنا هذا .

رغم صدمة الهزيمة و الانكسار فإن مبدأ الانتماء العربي و المناداة بالوطن الأكبر بقي حياً نشطاً و إن خسر كينونته الجارفة و الكاسحة و ذلك لأن القضية الفلسطينية كانت لا تزال هي القضية العروبية الأولى بلا منازع . إلا أن الضعف الذي أصاب مبدأ الانتماء العربي سمح لعناصر أخرى بالارتقاء من أهمها العنصر الديني الذي ينادي بالانتماء الإسلامي إلى أمة إسلامية واحدة . و قد شهد التاريخ العربي في فترة ما بعد النكسة و حتى الثمانينات صراعاً حامي الوطيس بين العروبيين من جهة و الإسلاميين من جهة على احتلال المركز الأول في وجدان الشعوب العربية و بيضة القبان في هذه المسألة برمتها هي القضية الفلسطينية فمن يسيطر عليها تكن له الغلبة . و قد شهدت تلك المرحلة انتصارات و هزائم للطرفين لكن القضية الفلسطينية كانت في ذاك الوقت لا تزال موجودة في عهدة الفكر العروبي و بقوة , و ربما جاء هذا الأمر في مصلحة الإسلاميين الذين وجدوا في قضية أخرى الرافد الأساسي الذي استطاعوا من خلاله الوصول إلى الوجدان العربي بل و إثبات تفوقهم على الفكر العروبي من حيث تحقيق انتصار عسكري حقيقي  و تلك القضية هي قضية أفغانستان و مقاومتها للاحتلال السوفييتي . أي قوة تبقت للفكر العروبي بعدها انهارت أعمدتها  في تاريخ الثاني من أغسطس عام 1990 حيث فقدت كل مصداقية لها .  و للأسف فإن انجرار مجموعات فلسطينية كبيرة  - و على رأسها منظمة التحرير -  إلى ارتكاب خطيئة دعم الغزو العراقي الغاشم  لدولة الكويت التي مثلت الحاضن السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي للشعب الفلسطيني في صراعه مع الكيان الصهيوني قد أسقط معه قدسية القضية الفلسطينية ,  فتراجعت القضية الفلسطينية من كونها قضية الأمة الأولى إلى القضية التي ينبغي التخلص منها بأسرع طريقة ممكنة. فجاء اتفاق أوسلو عام 1993م ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي تحولت فيه القضية الفلسطينية من قضية أمة إلى قضية شعب .

و مع اندحار الفكر العروبي حتى أصبح ظلاً من ظلال الماضي ازدهر الفكر الإسلامي في أوساط المجتمعات العربية خصوصاً و أن الفكر القومي العروبي اقترن في الذاكرة العربية بمجموعة من القيم الاجتماعية  " التحررية " فجاء سقوط القومية لينعش من جديد مبادئ الالتزام الديني الذي رحب به المجتمع العربي المحافظ بفطرته . إلا أن هذه العودة المحمودة للقيم الإسلامية التي جاءت بعد انكسار واكبه فراغ كبير في العاطفة و الانتماء لدى هوية الجيل الجديد  فشلت الدول العربية في استيعابه مع مجموعة كبيرة من الفتية و الشباب نتيجة غياب رؤية واضحة لديها , و  سرعان ما استغلته جماعات إرهابية متطرفة اتخذت من الدين ستاراً لها في تجنيد مجموعات شبابية تخدم مصالحها حتى و إن كان على حساب أمن و مصلحة أوطانهم و أهلهم . تلك الجماعات شكلت عبئاً على الدول و الحكومات العربية لكن مرة أخرى عمدت الحكومات إلى اتباع سياسة عدم المواجهة المباشرة حتى لا تصنف سياستها أنها معادية للدين فتفقد على إثره مصداقيتها أمام شعوبها و تمنح بذلك تلك الجماعات رافداً إضافياً تستغله في نشر فكرها  و دعم توجهاتها . جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتضع الجميع أمام واقع جديد فرض نفسه على العالم بأسره و مرة أخرى وجدت الدول العربية نفسها أمام خطر جديد يتهددها من الغرب و آخر يتهددها في عقر دارها , و أول ما بدأ الحديث عنه هو حتمية تطوير المناهج و الخطط التعليمية .

في تجربتها منذ عهد الاستقلال و للمرة الأولى تضع الدول العربية نصب أعينها مهمة تطوير فلسفة تعليم تخلق شعباً صالحاً قادراً على البناء و التطوير و العمل الخلاق و مواكبة التقدم التكنولوجي و الثقافي , و الأبرز في تلك التجربة أن كل دولة عربية تعمل الآن على تطوير تلك الفلسفة اعتماداً على ذاتها و باستقلالية تهدف إلى غرس الانتماء الوطني على رأس أولويات عناصر الانتماء في منظومة الهوية لدى أبنائها . فقد وصلت الدول العربية بعد تجربتها المريرة في منطقة خاضت و لا تزال صراعات و حروب داخلية و خارجية و صعود انتماءات مذهبية و قبلية إلى مرحلة من النضج يسمح لها بالاعتراف باستقلالية كل دولة من شقيقاتها في تسيير شؤونها الداخلية و الخارجية , و في ذات الوقت تفتخر بهويتها الوطنية و تضع مسألة الدفاع عنها و الذود عن مصالحها فوق الأشهاد و على رأس أولوياتها . لكن يبقى هناك من يتساءل عن مصير الانتماء العربي و الإسلامي في منظومة الهوية التي سيتمتع بها الجيل الجديد و عما إذا كانت عملية تطوير المناهج التي يتم الحديث عنها في أكثر من دولة عربية إنما هي محاولة لطمس تلك الهويتين . التساؤل مشروع خصوصاً  و نحن نعيش في عصر العولمة الذي تسيطر عليه الثقافة الغربية بقيمها التي تتناقض في كثير منها مع قيمنا العربية و الإسلامية  , و هنا يكمن الدواء في علاج أزمة الهوية  و التعليم  : في تعزيز قيمنا العربية و الإسلامية . فأي فلسفة تعليمية تخرج بها أي دولة عربية تخالف أصل العقيدة الإسلامية و القيم العربية مصيرها الفشل المحتوم و الزوال السريع , إذ أن أي فلسفة لا تنبع من تاريخ المجتمع و قيمه لن تزيد عن كونها مسخاً سيرفض المجتمع تقبله .  فالداء و الضعف ما كان يوماً في القيم بل في عجزنا كمجتمعات و دول عربية عن قولبة تلك القيم التي صنعت الحضارة و أنارت الأرض بالعلم و المعرفة   في منظور يتسق مع واقع الحياة المعاصرة و خصوصية كل دولة و إرثها التاريخي ثم إعادة غرسها في أبنائنا بما يكفل خلق مواطن صالح يحمل أعباء النهوض بوطنه و المضي به إلى الأمام . فإن خلص الصراع الذي عاشه الوطن العربي إلى شيء فهو ضرورة إزالة الفتيل السياسي من منظومة القيم العربية و الإسلامية فلا حديث عن وطن عربي أكبر و لا أمة إسلامية واحدة بالمعنى السياسي للمصطلحين  إذ لا انتماء سياسي إلا للدولة  و أرضها و علمها , أما القضايا العربية و الإسلامية الواجب دعمها معنوياً و مادياً  فيأتي عن طريق الدولة  و الجمعيات التابعة لها .  هنا فقط يتحقق الاستقرار الذي سيدفع بدوره إلى تحريك عجلة التطور الاقتصادي الذي سيتطلب بدوره تحريك عجلة التطور التعليمي لخلق جيل متعلم  و متنور قادر على الإيفاء بخطط الدولة المستقبلية, و السبيل إلى ذلك لا يكون إلا عن الطريق  النهوض بالتعليم العام الذي يمثل البوتقة الذي تتشكل فيه هوية المجتمع و قيمه . 

 طوال المرحلة السابقة و حتى السنوات الأخيرة تخلت المدرسة العربية الحكومية  و لفترة طويلة نتيجة ظروف عديدة , على رأسها حالة الصراع التي عاشتها المنطقة و تقهقر التعليم كأولوية و تغييبها في خطط  الدولة , عن دورها التربوي  و الاجتماعي , و اكتفت بدلاً عنهما بدور معرفي نظري يتمثل بحشو العقول بالحقائق  و المعلومات بما يكفي من الوقت لتفريغها ساعة الامتحان في عملية استهلاكية متكررة لما قيل وكتب على السبورة في بيئة تخلو من الشغف و الإبداع . و لهذا نجد أن هم الطالب العربي أصبح ينحصر في درجة الامتحان فقط ليجد نفسه عند تخرجه من نظام التعليم مغيباً عن رؤية مجتمعه , غير مدرك للدور المتوقع منه من قبل وطنه  و دولته  . أما المعلم فقد انتقل من كونه رجل علم  و دين يبجله مجتمعه و يسعى طلبته إلى الاستزادة من علمه و حكمته  إلى مجرد وسيط بين الكتاب و التلميذ تنحصر مسؤوليته في الخمس و الأربعين دقيقة التي يشرح فيها الدرس المقرر . نعم هناك مجانية التعليم و إلزاميته و ما واكبه من تطور عمراني مطرد و توسع جغرافي في توزيع  المدارس و  فئاتها  لتشمل ذوي الاحتياجات الخاصة و الكبار و مجالات التدريب المهني ,  لكن هذا التوسع واكبه فشل في وضع خطط منهجية  قابلة للتنفيذ بهدف الارتقاء بقدرات المعلم  و شخصيته و استعداده النفسي و الروحي لحمل رسالة التعليم و ذلك لغياب فلسفة تربوية واضحة لدى الدولة  تحدد للمعلم الدور الفعال في تحقيق رؤيتها  كما و تضمن له الحماية المعنوية و المادية أثناء قيامه بدوره الموكل إليه. و قد يكون من أسوأ ما أصاب المعلم هي نظرة المجتمع إليه و التي انعكست بدورها حتى على نظرة الدولة إلى مهنة التعليم ككل .

ففي خضم الانفتاح الاقتصادي و ما واكبه من تطور تقني هائل خلق مجالات مهنية جديدة مربحة و أضاف إلى مهن أخرى كالطب و المحاماة و الهندسة بعداً ربحياً اكبر بقيت مهنة التعليم مهنة طاردة لمن يملك في قلبه الطموح و القدرة على التميز و النجاح . و السبب الرئيسي في انحدار الرغبة في دخول مجال التعليم يعود إلى شقين أحدهما اجتماعي و الآخر اقتصادي . نبدأ بالاقتصادي لما له من أهمية في عالمنا الآن الذي أدمن مفاهيم الثقافة الاستهلاكية . لا يخفى على أحد مسألة تدني رواتب المعلمين مقارنة بنظرائهم في المهن الأخرى و هي مشكلة ليست محلية أو عربية بل هي عالمية أيضاً . فالمعلم في المدرسة الحكومية هو أولاً و أخيراً موظف في القطاع العام و عليه تخضع مسألة راتبه إلى ميزانية الدولة و ما تقرره في بند الصرف على التعليم و الذي يعتمد بدوره على وجود فائض أو عجز و إذا ما كان هناك من بنود أخرى لها الأولوية في الصرف في نظر الدولة  كالصحة أو الأشغال فيما يتعلق بالبنية التحتية أو الصرف العسكري في حال وقوع حرب أو احتمال وقوعها و غيرها و غيرها الكثير من المعطيات الأخرى . مما يعني أن الراتب تقره الدولة و هو ثابت و للجميع بغض النظر عن اختلاف مستويات الأداء و العطاء لدى المعلمين مما يقضي على مبدأ التنافس الذي يدفع بالعمل إلى الأمام نتيجة غياب الحوافز المادية و المعنوية . و تعد مسألة تقييم المعلم كفرد قياساً على انتاجيته عملية بالغة الصعوبة نظراً للبيروقراطية التي يتصف بها العمل الحكومي , إلا أن البيروقراطية الحكومية ليست العائق الوحيد بقدر ما هي صعوبة تقييم أداء المعلم ذاته كما يراها البعض . ففي أي مهنة أخرى عدا التعليم المنتج النهائي لأداء الموظف أو المهني هو منتج مادي ملموس يتم في مجال زمني محدود و يمكن تقييم نجاحه واختبار فعاليته و تصحيح عيوبه و مقارنته بأداء الآخرين  و مكافأة الأفضل أداءً لما يستجلبه هذا المنتج من ربح , مما يخلق جواً من التنافس بغية الوصول إلى المركز الأول و ما يتبعه من تقدم وظيفي و امتيازات مادية . و بناءً على جميع الاعتبارات السابقة ينظر إلى المعلم على أنه موظف غير منتج لأن لا نتيجة مادية ربحية مباشرة لعمله . فما يغرسه المعلم في قلب الطالب و عقله و روحه لن تظهر نتائجه الربحية الحقيقية للدولة و المجتمع إلا بعد سنوات طويلة لن ينال على إثرها المعلم أي اعتراف بفضله . كما و أن أداء الطلاب في الفصل الواحد يتفاوت فمهما بلغ المعلم في قمة عطائه فلن ينجح جميع طلبته , حتى و إن نجح الجميع فالطلبة ستتوزع مستوياتهم بين ممتاز و جيد جداً و جيد و مقبول وفق المعدل الطبيعي لأي فصل اعتماداً على طبيعتهم الشخصية و قدراتهم العقلية و المهارية و ظروفهم البيئية و الأسرية و الاجتماعية و الاقتصادية , و هي جميعها اعتبارات يعجز المعلم معظم الأحيان إن ليس دائماً عن تغييرها لأنها في صلب الطبيعة البشرية . فجل ما يمكن أن يقدمه المعلم إلى الطالب على المستوى الإنساني هو أن يخلق له بيئة سليمة داخل الفصل لما يفترض أن تكون عليه الأمور حيث المثل و الأخلاق و القيم و العلم  و المحبة و الاحترام لها اليد الطولى في تقرير مدى سعادة الإنسان حتى يدرك الطالب أياً كانت خلفيته أن هناك دائماً خياراً آخر أمامه مهما قست عليه الظروف و أن بيده هو أن يغير حياته إلى الأفضل لا في يد الآخرين .  فالحقيقة التي يحلو للكثيرين تجاهلها سواء من قبل المعلمين أو المجتمع أو الدولة هي أن تقييم نجاح المعلم الحقيقي لا يكون باختبار قدرة الطالب على حفظ الإجابة الصحيحة و ترديدها على الآخرين أمام المراقب  و الموجه و الناظر , بل هي في جعله طالباً للعلم ساعياً وراء الخيارات الصحيحة في حياته التي تضمن له حياةً أفضل يتمكن خلالها من إسعاد نفسه و أهله و خدمة مجتمعه و وطنه . حينها فقط سيضحو الطالب مواطناً صالحاً وفي نظر الاقتصاد منتجاً ربحياً للدولة ,  ليبقى المعلم في النهاية مكتفياً بنظرة الامتنان و المودة التي يلقاها في عين طالبه إن صادفه يوماً على الطريق .   

 أما الشق الاجتماعي فيتعلق أكثر برؤية المجتمع للمعلم و التي أصبح فيها المعلم  و للأسف مثاراً للتندر و السخرية من خلال صور نمطية سخيفة لم تتغير طوال العشرين سنة الماضية بعد أن روج لها الإعلام العربي و بقوة في أعماله التلفزيونية  و السينمائية و حتى الدعائية . فالمعلم في نظر الإعلام العربي شخصية كاريكاتورية فإن كان رجلاً فهو رجل كهل أصلع موتور الأعصاب إما مهمل الثياب أو مرتدياً " زيه " المكون من القميص و البنطلون الرمادي أو غيره من الألوان الخالية من الحياة , دون أن ننسى نظارته السميكة السوداء و تحجر عقليته التي لا تزال تتغنى بالماضي السحيق . و حال المعلمة ليس بأفضل من نظيرها الرجل فهي إما مغيبة صامتة أو عانس معقدة أو فاقدة للسيطرة على أعصابها  سليطة اللسان على طالباتها أو زوجة حامل على وشك الولادة تعدت الأربعين من عمرها و ينحصر همها في الطبخ و النفخ . و الخطر الذي مثلته و لا تزال تلك الصورة هي أنها في الأساس خلعت عن المعلم لباس هيبته و علمه  و إنسانيته , و الأخطر أنها جعلت منه شخصاً ضائعاً عاجزاً بائساً لا يجد سعادة و لا هدفاً فيما يعمل. و عدا عن أن هذه الصورة النمطية كان لها الأثر العميق في الإخلال بهيبة المعلم و احترامه في نظر طلبته  فهي قد شكلت في ذات الوقت عاملاً طارداً في ذهن الأطفال , فمن هذا الطفل الذي سيحلم يوماً ما أن يكون معلماً بعد كل تلك الدلالات السلبية التي زرعت في عقله ؟ لا أحد . حتى الأهل لن يرتضوا لابن لهم إن وجدوا فيه طموحاً و تميزاً و علماً مستنيراً أن  " يدفن " نفسه في مقبرة التعليم . أما لم هذا العداء من جانب الإعلام العربي لشخصية المعلم فالإجابة قد تكون بسيطة و هي تكمن في غياب عامل الإبداع في الإعلام العربي و على الأخص ما يتعلق بصناعة الدراما العربية التي يكتفي مؤلفوها بتناول القشور من قضايا مجتمعاتهم مع شيء من تناول " المحرمات " التي تستفز المشاهد العربي لضمان متابعته لأعمالهم و الحديث عنها . ففي زحمة الأعمال التلفزيونية متى كانت المرة الأخيرة التي تناول فيها عمل عربي شخصية المعلم بعمق و صورت مدى صدق حبه لمهنته رغم التحديات المادية و المعنوية التي يواجهها المعلم بصورة يومية أثناء أدائه لرسالته و الظروف التي أدت إلى انحدار موقعه في المجتمع  , و الأهم متى كانت المرة الأخيرة التي صورت فيها الدراما العربية معلماً ينتمي إلى الجيل الشاب بهي الطلعة متنور محب لعمله متميز في عطائه مدركاً لعظم رسالته التي يحملها  و ملهماً لطلبته . نعم هناك في تاريخ الدراما العربية عملان تناولا التعليم أحدهما مصري  ضمير أبلة حكمت   و الآخر خليجي أبلة نورة  يفصل بينهما ما يقارب العقدين من الزمان إلا أن تناولهما لمسألة التعليم لم تخرج عن الإطار السطحي لمشاكل الطلبة المشاغبين و المنحرفين و الصراع بين الطلبة الأغنياء المهملين و الطلبة الفقراء المتفوقين , و غالباً ما  يتلخص هذا الصراع الطبقي إما بتملق الطالب الفقير للغني أو بتسلط الطالب الغني على الفقير . أما الشخصية المحورية في العملين فتتجسد في شخصية الناظرة التي تظهر للمشاهد في صورة المنقذة المثالية التي ستجلب الإصلاح و التغيير للمدرسة لتواجه الفشل في النهاية حين تصطدم بواقع الأمور . و ما يستغرب له المرء أن شخصية المعلم في العملين هي شخصية سلبية ثانوية بمعنى أنها تخدم هدفاً واحداً فهي إما مع الناظرة أو ضدها , أما المعلم ذاته و فيما يتعلق بمهنته و شغفه و التحديات التي يواجهها و قدرته على تجاوزها فلا حديث عنها . فمعظم ما يراه المشاهد من مهنة التعليم في كلا العملين هي تلك الدقائق المعدودة التي يقضيها في الفصل يشرح على السبورة مع التركيز على الأحاديث الجانبية للطلبة التي تخدم الدراما القائمة على الدسائس و المؤامرات.

 هذا التجاهل المتراكم عبر السنين لدور المعلم و الإنقاص المستمر من هيبته  و تهميش دوره سواءً مادياً أم اجتماعياً هو ما هبط بمستوى التعليم الحكومي في دول العالم العربي . فأن تجعل دولة من مهنة يقع على عاتقها صناعة شعب بأكمله إلى مهنة طاردة لأبنائها فهي خطيئة ستواجه الدولة يوماً ما عواقبها الوخيمة و ها قد بدأت تلك العواقب تظهر بداية من ضعف المخرجات الظاهر في أدائها المتدني  إلى عدم قدرة تلك المخرجات على القيام بمسؤولياتها في خطط الدولة التنموية  و الاقتصادية و ذلك لعدم ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل لا مهارياً و لا فكرياً . و آخرها ما يتهدد المجتمع من انحدار في منظومة القيم و الأخلاق و الآداب العامة الناتج عن تغييب الدور التربوي للمدرسة . و إن أراد الواحد منا أن يستدل على المعيار الذي تنظر فيه الدولة لمهنة التعليم  فليطلع على نسب القبول الخاصة بدخول كلية التربية في جامعاتها . فلكما انخفضت النسبة كلما دل ذلك على مدى تجاهل الدولة للدور التعليمي في مخططاتها التنموية . فإصلاح التعليم لا يكمن فقط في إصلاح المعلم في الوضع الحالي بقدر ما هو في إعداد المعلم الذي لا يزال طالباً في كلية التربية لاستلام مسؤولياته الجديدة و هو على أتم الاستعداد لحملها و الارتقاء بها. و يعود السبب الرئيسي في تدني نسب القبول الخاصة بكلية التربية إلى ما ذكرناه سابقاً من أن قلة قليلة من المتفوقين ستختار الدخول في سلك التعليم لما تتضمنه المهنة من مشاق يواكبه عدم اعتراف اجتماعي و اقتصادي بإنتاجية مهنة التعليم , و عليه لا بد أن تتدنى نسبة القبول لإعطاء فرصة لعدد أكبر في الدخول إلى مجال التعليم , و للأسف كان من أبرز نتائج تدني النسبة تدني مستوى المعلمين بشكل عام و الذي انعكس بدوره على مستوى التعليم الحكومي ككل . و قد بدأت الدول العربية ترى الآن مدى عمق المأزق التعليمي الذي تعاني منه و الأهم أنها بدأت تدرك أن الحل الحقيقي يكمن في المعلم من خلال دعمه مادياً و معنوياً و الارتقاء بقدراته  و مهاراته التقنية و المعرفية و التربوية  . فها هي دولة الكويت ممثلة بوزارة التربية توفر مختلف أنواع الدورات التدريبية التي تهدف إلى مساعدة المعلم للقيام بواجبه على أكمل وجه منها الإلزامية و منها الاختيارية . كما و أنها تشجع من خلال بنود تقييمها السنوي للمعلم على أن يضطلع المعلم بنشاط مهني يهدف إلى مشاركة الخبرات مع الهيئة التعليمية سواءً في مجال التربية و التعليم أو في مجال تخصصه أو حتى في أي مجال معرفي آخر يعود بالفائدة على المعلمين . ليبقى بعد ذلك  الدعم المادي و المعنوي في رسم الدولة من خلال زيادة الرواتب و إقرار قانون حماية المعلم الذي من شأنه أن يضمن حماية المعلم أثناء قيامه بواجبه من خطر الاعتداء على كرامته و شخصه .

 لكن حتى تقر أي دولة سواء كانت دولة الكويت أو دولة عربية أو أي دولة في العالم بأسره زيادة الرواتب و تقر قانون حماية المعلم هل سيبقى المعلم على حاله في انتظار هذين التغييرين حتى يتشجع فيرتقي بأدائه و يخلص في عمله . الإجابة الصحيحة و المؤلمة للبعض هي لا .

المعلم سواء دخل مهنته لإنه محب لها أو لأنه لم يجد خياراً آخر أمامه غيرها هو المسؤول الأول و الأخير عن مستوى أدائه و اتقانه لوظيفته لحظة التي ارتضى بها أن يكون معلماً  . فمنذ اللحظة الأولى التي سيدخل بها أي معلم بوابة المدرسة في صباح اليوم الأول لتعيينه لا بد أن يدرك أنه سيواجه التحديات الواحدة تلو الأخرى سواء من قبل الإدارة أو الطلبة أو أولياء الأمور أو التوجيه الفني و هي ليست جميعها بالتحديات المحبطة بل إن معظم تلك التحديات هي ما تصبغ صفة الإنسانية على مهنة التعليم . فتلك الصورة القاتمة للتعليم الحكومي لا تعكس حقيقة الوضع من أن هناك نقاطاً عدة لا حصر لها مشرقة في تلك الصورة يغلب نورها الساطع على السواد الذي طبعت به ظلماً صور مدارسنا و معلمينا و طلبتنا و هي التي ستنقذ المعلم من دوامة الإحباط شرط أن يرغب هو في ذلك . فإن كان المعلم يأخذ من  ضعف الحوافز المادية  و المعنوية عذراً يبرر به تقاعسه عن القيام بواجبه التربوي و التعليمي على أكمله تجاه طلبته فهو عذر أقبح من ذنب و الأفضل له و للجميع أن يخرج من هذه المهنة  و يبحث له عن غيرها . فمهما زادت الرواتب و مهما أقرت قوانين لحماية المعلم ستبقى مهنة التعليم مهنة شاقة إن لم تكن أشق المهن على وجه الأرض لأنها ليست بمهنة بل برسالة تنأى عن حملها الجبال .  

قد يجد البعض في ما سأقول شيئاً من المثالية المتخيلة التي لا تنتمي لأرض الواقع لكنها الحقيقة الوحيدة التي خرجت بها من أجمل و أغنى تجاربي في الحياة و هي أن المعلم إخلاص و محبة . إن دخلت كل نهار على طلبتك و أنت تحمل لهم في قلبك محبة لا يضاهيها إلا محبتك لأعز أبنائك فكن واثقاً أنك ستذهل بمقدار الحب الهائل الذي سبيادله اياه طلبتك و هو حب لا يضاهيه حب في العالم بأسره حين يحتفظ الطالب بذكراك في قلبه مدى الدهر . حين تهدئ من روع ولي الأمر و تطمئنه على ابنه و تؤكد له أنك ستبذل أقصى جهدك لمساعدته وأن تظهر لابنه الاحترام حتى في شكواك عنه , فسيبادلك ولي الأمر حرصك هذا احتراماً و تقديراً . حين تظهر روح تعاونك للإدارة بالتزامك باللوائح و باستعدادك للقيام بدورك في أي خطة عمل تقرها الإدارة و مساعدة زملائك متى ما احتاجوا إليك بابتسامة و مودة لا تحمل خلفها نفاقاً و لا رياءً فكن واثقاً من أن الجميع سينظر إليك بعين المودة و الحب . حين تستمع بعقلك و قلبك إلى نقد و نصيحة من سبقوك في مهنة التعليم فكن واثقاً أنك سترتقي بأدائك لأن درة المعلم خبرته و ما شاركك اياها زميلك أو رئيسك أو الموجه الفني إلا و هو مخلص في نصيحته محب إليك .

هذه هي حقيقة التعليم . هذا هو الإرث الذي حملته من تجربتي في الحياة كطالبة أولاً على مدى اثني عشر عاماً أدين بها في كل خير وصلت و سأصل إليه بإذن الله إلى راهبات مدرسة فجر الصباح و معلماتي الفاضلات اللواتي ضربن المثل الأعلى في الإخلاص و المحبة , كما و أن هناك إرثاً أحمله في قلبي أتمنى العودة إليه يوماً و هو تجربتي كمعلمة في ثانوية أمامة بنت بشر للبنات . تلك الثانوية التي علمتني حقيقة المعلم بالخبرة و العمل , تلك الثانوية التي أغدقت علي بمحبتها و عطائها من الطالبات و المعلمات و الإدارة . تلك الثانوية التي لولا عملي بها لما عرفت يوما ماهية أن تكون معلماً , و لما استطعت أن أتصل بإرثي الذي طالما حملته في روحي و هو إرث عائلتي في التعليم :  إرث الأستاذ عبدالله و الملا عثمان و الملا محمد و الأستاذ عبدالعزيز .  

هذا الإرث الذي ما فتأ يهمس في قلبي : أن تكون معلماً لهو شرف و امتياز لا يعيه إلا من حمل في قلبه درة العلم و المحبة والإيمان .                                              

 

عدد الزائرين:

30 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr