الغفلة

 

 

 

من باب مطالعتي للفلسفة الصوفية، ومحاولة فهم هذا المذهب، وهي قراءة بالنسبة لي يلفها الغموض والتباين، وتحاك تعابيره بالرموز، فيصعب على قارئ مثلي فهم فحواه. وقد سبق لي حضور زاوية صوفية من باب العلم بالشيء، فوجدت التباين الكبير بينهما، فمن ورع والتزام بالقرآن والسنة، إلى انحراف وخيالات يصعب عليّ تصديقها، أو على الأقل فهمها. وما قرأته نقلاً عن عبدالكريم الجيلي، المتوفى عام ٨٣٢ هجري، وهو أحد أعمدة الفلسفة الصوفية، وأنقلها هنا كما جاءت: «إن ما في الوجود إنما هو محض خيال، يتراءى للناس في غفلة الحياة الدنيا، ويكمل أن الانتباه من الغفلة لا يكون إلا بعد الموت، وإن كان بعض الأولياء من أهل الصلاح يتنبهون من الغفلة، فيدركون الخيال وهم في عالمهم الأرضي». كلمة «غفلة» وقفت عندها كثيراً فوجدتها مرتبطة بالزمان، أو بشكل أوضح بعقارب الساعة التي تحسب لنا الوقت، الذي نعيشه على هذه الأرض، فالوقت يمضي ولا نعود نحس به، ولا نحلل ما عملنا به، لأن الغفلة تعمي البصيرة، وأي بصيرة؟ بصيرة القلب.

وبتحليل بسيط نجد أن الغفلة مسيطرة على مجريات حياتنا من دون أن نشعر بها، فالطالب غير المبالي، الذي يضيع على نفسه فرصة التعلم، التي توافرت له، ولم تتوافر لغيره، لن يعي غفلته إلا حين يتقدم في العمر، ويدخل معترك الحياة، ويتحسر على ما فاته. كذلك الإنسان الذي أنعم الله عليه بالصحة والعافية، فيفرط بها، وعندما تذهب يقول الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، فهذا المثل يلخص الغفلة الصحية. كذلك الوطن والأمن والأمان، فقبل الغزو الغاشم، ربما كنا في غفلة عن قراءة المعطيات السياسية والعسكرية حولنا، فأصبحنا بين ليلة وضحاها بلا وطن، وها نحن الآن نعيش في غفلة سياسية واجتماعية.

فيا حكومتنا الرشيدة ونوابنا الأفاضل إن لم تعوا إلى غفلتكم هذه فقد يضيع الوطن مرة أخرى. وكذلك لكل أم تعيش في غفلة عن رعاية أبنائها، وتتركهم في حضرة الخدم، ستمر عليها السنون وترى منهم ما لا يسعدها! فعداد الزمان لا يعود للخلف، ولا يمكن للعطار أن يصلح ما أفسده الدهر، وأخطر أنواع الغفلة غفلة من هم صائمون قائمون، لكن سبحان الله، ران على قلوبهم، فتجد أحدهم يقوم على إيذاء إخوته، ويكيل لهم الاتهامات الباطلة، ومنهم من يأكل أموال الناس بالباطل، ومن وقف أمام القاضي وشهد زوراً.

لذا، وفي هذا الشهر الفضيل، أدعو الله أن يزيل عنا الغفلة وعمن نحب، وكذلك عن كل من أساء إلينا ولنفسه، وأن يتقبل الله منا ومنكم صيامنا وقيامنا.

ولأهل الكويت أقول: «عساكم من عواده».

 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثلاثين من مايو عام ٢٠١٧ ( الرابط الالكتروني)

الغفلة Pdf 

عدد الزائرين:

96 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr