آندريه بكار

 

 

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، وفي إحدى مكتبات باريس، وقع نظري على كتاب من جزأين للمؤلف المعماري اندريه باكار، وأول ما شدني لشراء المجلدين العنوان Traditional Islamic Craft in Moroccan Architecture، ويمكن ترجمتها «الحِرف التقليدية في العمارة الإسلامية في المغرب». حملت الكتابين وتوجهت للكاشير، الذي كان فرنسيا من أصول مغربية، واستغرب شرائي للكتابين، وقال لي إن العرب قلما يشترون مثل هذه الكتب، فكل النسخ بيعت للأجانب المهتمين بالعمارة الإسلامية، ولم يتبق لدينا غير تلك النسخ. فأجبته أنّ لدي اهتماما بكتب العمارة كوني مهندسا أولاً وعاشقا للتراث ثانياً. ضحك صاحبنا وقال: تمنيت حصولك على الكتاب الثالث لهذا المؤلف واسمه «المأمونية»، ولكنه نفد منذ فترة. فأخذني الفضول وسألته لم هذا التهافت على هذا الكتاب؟ فقال: مؤلف الكتاب، المعماري الخاص للملك الحسن الثاني عاهل المغرب الراحل، وبعد نشر الكتب وما بها من صور للقصور الملكية، والتي على ما يبدو لم يأخذ إذن الملك في نشرها، فلن تكون هناك طباعة لأي نسخ أخرى. اشتريت الكتاب وبفرح لما به من معلومات ثمينة تعكس جمال العمارة الإسلامية، ولا يتميز هذا الكتاب عن غيره بالصور الجميلة وحسب، بل بالبترون الهندسي لكل صورة. ولكي أوضح أكثر، فالفسيفساء المرصوصة على الحوائط لها مصفوفات حسابية ومن ثم خطوط معمارية، فهي لا تجمع وتلصق عشوائياً، أو لخبرة الصنايعية فقط، فكبير الصنايعية لديه مصفوفات هندسية توارثها أباً عن جد، وما فعله هذا المعماري الفرنسي هو أخذه من كبار الصناع المغاربة خبراتهم المتوارثة ووضعها ببترون هندسي ممكن أن يدرس أو يبنى عليه علم كبير يحفظ التراث المعماري الإسلامي، والذي ما عدنا نراه حياً إلا في المغرب، هذا التراث الذي يؤخذ بتوارث الصنعة أباً عن جد وليس بالدراسة والتدريب العلمي، تراث أخذ بالهرم والاضمحلال للاسف. وبعد سنتين فقدت الكتابين وما عرفت شلون ضاعوا، وفي رحلتي هذه إلى لندن سألت إحدى المكتبات ونصحني البائع أن أبحث عنه من خلال النت ومواقع الكتب المستعملة كونه من الكتب النادرة، وفعلا حصلت الكتابين وفوقهما كتاب «المأمونية» ودفعت مبلغا محترما، لكني كنت شديد السعادة باستعادة ما فقدت، خصوصاً أن مؤلفنا الفرنسي وبعد خلافه مع الملك أعلن إفلاسه ومات فقيراً مدمناً على الخمر في عام ١٩٩٦، وبيعت جل مخططاته وإرثه المعماري للجامعات بعد تنفيذه أكثر من ٢٥ قصراً وجامعا في المغرب، ولكن يبقى اسمه مغروساً بتاريخ فندق «المأمونية» الأسطورة المعمارية في مراكش.

ويحز بخاطري كثيراً أن أرى الجامعات والمعماريين الأجانب هم الأعلم والأحفظ لتراثنا، بينما يقوم العرب بوقف نشر مثل تلك الكتب.. وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في غددها الصادر الثلاثاء السادس والعشرين من سبتمبر ٢٠١٧ ( الرابط الالكتروني

آندريه بكار Pdf

عدد الزائرين:

71 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr