كلثوميات

 

 

 

 

أيام الستينات وأمام المذياع يصمت الوطن العربي ويترقّب سماع اثنين لا ثالث لهما: الأول خطابات الرئيس جمال عبدالناصر، والثاني حفلات أم كلثوم. نعم، يصمت الوطن العربي في حضرتهما، فالرئيس يرفع ادرينالين الوحدة والحرية والكرامة في دماء العرب، وأم كلثوم تخفض ضغط دم العرب وتثير العواطف الجياشة الكامنة في قلوبهم، والفرق ما بين الاثنين واضح وجلي: فالأول باعنا خيال وأحلام عشنا بها أيام الطفولة، وتكسرت على وقع نكسة ٦٧، فما زلت أتذكر صواريخه الظافر والقاهر التي كانت تغطي أخبارها الصحف والمجلات في ذاك التاريخ. ومن يومها، كما يقال بالعامية الكويتية «ما ترقعنا» نخرج من أزمة وندخل في أخرى، وحتى أم كلثوم خُذلت في اليوم التالي لحفلتها التي صدحت فيها بنشيدتها التي تقول:

راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى

راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة مظلمة

جيش العروبة يا بطل الله معاك

ما أعظمك ما أروعك ما أشجعك

كلمات جميلة ومؤثرة تعكس أمنيات الشعب العربي، للشاعر صلاح جاهين وألحان رياض السنباطي وغنتها أم كلثوم بكل إحساس يوم الخميس الأول من يونيو قبل النكسة وضياع القدس وسيناء والجولان بعدة أيام فقط. حينها كنت بعمر العاشرة، لكني أتذكر جلياً التفاعل الكبير في المدرسة والمنزل، فالكل كان مجيشا لنصرٍ كبير والكل تغنى بتلك القصيدة الجميلة التي اختفت مباشرةً بعد هزيمة العرب. وبرأيي فالفرق بين جمال وبين الست أنّ الأول حدثت في عهده النكسة والثانية أمست «كوكباً للشرق». وقد لا يتفق معي الكثيرون في رأيي لكنها وجهة نظر. وأجد أن أبيات الشعر العربي قد تلألأت بألحان الكبار وبصوت الست الصادح الذي لم ولن يكون له مثيل. وكانت أم كلثوم تقدم حفلاتها أول خميس من كل شهر، وأنا شخصياً لم أحصل على فرصة حضور حفلاتها لكن القائمين على مركز الشيخ جابر الأحمد الصباح الثقافي (الأوبرا) ما قصروا وخصّصوا أول خميس من كل شهر حفلة حملت اسم كلثوميات تحييها إحدى نجمات دار الأوبرا المصرية. ذهبت مع ابنتي إلى الحفل وكانت زيارتي الأولى لهذا الصرح الباهر وأسعدني جدّاً مستوى الإدارة والشباب القائمين عليه.. يعني شي راقي يليق بالكويت، وحضور الجمهور السميع من كل الأعمار والكل كاشخ ولابس بما يليق بحفل الأوبرا. ولم يقتصر اهتمام المركز بالموسيقى العربية، وحسب، بل تبنى الموسيقى الكويتية بأصوات كويتية وخليجية شابة، المهم استمتعنا بالأداء الجميل كما سنستمتع بالحفلات القادمة، وأختم بإحساسي الجميل لانتصار الكويت على الجهاز الحكومي البالي، فكل الشكر والتقدير إلى من قام ويقوم على مشاريعنا التنموية وأقول لهم كملوا ولا توقفون ترى الكويت تستاهل.

وتسلمون.

 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الرابع والعشرين من أكتوبر ٢٠١٧ (الرابط الالكتروني)

كلثوميات Pdf

عدد الزائرين:

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr