معادلة

 

 

 

ذاك اليوم، وعلى مائدة عشاء مع أصدقائي المصرفيين، أو من أسميهم الحرس القديم، تأملتهم كما تأملت حالي، ولاحظت كم تغيرت ملامحنا نتيجة عوامل التعرية العمرية، كما لاحظت أحاديثنا التي أخذت طابع النضج، وزاد فيها العسارة والتحلطم الزايد على المطعم وخدمته، لكن اللي ما تبدل فينا هو حديثنا عن بيروقراطية بعض الأجهزة الحكومية، التي زادت تعقيداً مع الوقت، بدلاً من أن تنخفض مع ارتفاع مستوى التعليم وتطور التكنولوجيا. وفي وسط الكلام تحدثت مع صديقي العزيز ناصر الجلال، وقلت للربع أحسن واحد ممكن تسافر معاه بوفيصل، مصرفي ومتحدث من الدرجة الأولى، وقمة في الرقي والأخلاق، وذكرته بسفرتنا قبل عشرين سنة إلى فرنسا للدراسة في معهد انسياد، وإذ بأحد الأصدقاء يقاطعني، وقال لي لا تذكرني بالمعهد عندي مشكلة معاه، وأنا طبعاً استغربت وقلت له هذا المعهد الأكثر اعتماداً ومهنية في أوروبا! فرد علي: أدري بس الظاهر وزارة التعليم ما تدري.

فقد حصل ابنه على شهادة الماجستير من ذاك المعهد، وهو مبتعث من قبل إحدى الجهات الحكومية، وبعد تخرجه تم رفض معادلة شهادته. فأجبته زين يعني لو ماخذ الماجستير من أي جامعة محلية في الكويت (مع احترامي) لكان تمت معادلتها من دون أي مشاكل! ضحك صاحبنا الثاني، وقال: ولدي تخرّج في جامعة بالكويت وعمل في مؤسسة مالية، وأحب أن يتخصص بالعقار، وطلب مني أن أبعثه على حسابي، وكان قد حصل على قبول من جامعة نيويورك، وهي جامعة معروفة، المهم راح وأخذ الماجستير في إدارة العقار، وطبعاً مثل هذه البرامج مخصصة لصقل قدرات الطالب بما يسنده في حياته العملية، ولا يقصد بها المستقبل الأكاديمي. وحين أخذنا الشهادة للتصديق تم رفض الطلب بحجة أن الشهادة لا تؤهله لدرجة الدكتوراه!

ويكمل صاحبي: حاولت أفهمهم إني ابتعثت ابني على حسابي، وليس على حساب الدولة، وهو ليس بطالب بعثة دكتوراه! وطرت على بالي قصة لفتاة كويتية من أم بريطانية، درست في الكويت على النظام البريطاني، وتعليمها الجامعي في بريطانيا، والماجستير في أسبانيا، وما شاء الله تتكلم أربع لغات، وتوظفت في شركة، لكن وقت معادلة شهادتها بلغوها أنه عليها أن تأخذ مادتين من مواد الثانوية، والبنت صار لها أكثر من سنة مع أبيها تحاول معاهم وماكو فايدة، فنصحتها بتسجيل المادتين في المركز الثقافي البريطاني، وخلصي روحك! وهذه أيضاً نصيحة للأهالي اللي أولادهم في مدارس بريطانية، التأكد دائماً من المواد المسجلة وما يعادلها كشهادة ثانوية، خصوصاً العربي والدين، فالتربية مرة تطلب امتحان الحكومة، ومرة امتحان المدرسة.

بس السؤال اللي محيرني: اللي عندهم شهادات من الفلبين والهند وأصحاب دكتوراه النت شلون رتبوا روحهم؟!

 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من إبريل ٢٠١٧ ( الرابط الالكتروني ) 

معادلة Pdf


عدد الزائرين:

104 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr