مدينة الأقفال

 

 

باريس مدينة النور والعشق، وأحياناً الجن والملائكة، كذلك أسميها مدينة الأقفال، ظاهرة انتشرت بين العشاق، وكل من شرى له قفلا وكتب عليه وعلقه على حواجز الجسور الحديدية ورمى المفتاح بالنهر، وقد قامت بلدية باريس بإزالة أكثر من أربعين طنّاً من أقفال الحب المعلقة على جسور باريس والقيام باستبدال الشباك من فوق الجسور بزجاج، ولكن أقفال الحبيبة بدأت تنتشر بأماكن أخرى. الصراحة كان منظرها جميلا وتعكس آلافا من قصص الحب المعلقة على تلك الجسور.

كنت كثيراً ما أقف وأتأمل أسماء وتواريخ تلك الأقفال، وودي أن أبلغ أصحابها بأن قصص الحب بشكل عام لا تنتهي نهاية سعيدة، فأفضل توفرون على أنفسكم ذلك العناء، وهذه نصيحة باريسية لن تستهوي الكثيرين، أما باريس فلي مع تلك المدينة علاقة محبة وود بدأت قبل 36 عاماً مبتعثاً من وزارة النفط لدورة استمرت ستة أشهر في معهد البترول الفرنسي، وكانت أول تجربة أوروبية، مقارنة بدراستي في أميركا.

وقد اختلفت حال الشعب الفرنسي بين ذاك الوقت والحاضر، فالباريسيون في الماضي كانوا أكثر شعبوية وأكثر اعتزازاً بلغتهم، شعب صعب المراس، وإذا تجهل لغتهم تدوخ معاهم، وبعضهم يعرف الإنكليزية، لكن يرفضون يكلمونك إلا بالفرنسية، لكن الناس تغيّروا، خصوصاً الشباب.

طبعاً، الأزمات المالية والاندماج الأوروبي ودخول الأجانب الأوروبيين غيّرت المعادلة، لكن ما لم يتغير هو جمال تلك المدينة وجسورها وقصورها ومتاحفها وأسواقها وشوارعها المتقاطعة شعاعياً، لكن الشيء الذي لم يتغيّر لما تدخل المطار أنه محد يكلمك ويسألك ليش داخل وشبتسوي ووين بتسكن، فضابط الجوازات يتصفح جوازك ويتأكد من الفيزا ويختم الجواز وبس ادخل، الله حافظك.

ولاحظوا أن فرنسا لا تزال تحت قانون الطوارئ، لكن المعاملة لم تتغير وأفضل بكثير من معاملة الإنكليز والأميركان. وباريس ليست فقط الشانزليزيه والأماكن اللي متعودين عليها السياح الخليجيين، فالمدينة وضواحيها فيها من الجمال والأسرار التي تستحق الزيارة.

وطبعاً سياحة باريس ليست موضوعنا، لكن بعد مشاركتي في افتتاح مشروع المرحوم الوالد في تونس قررت قضاء كم يوم هناك، لربما استطيع استكمال بعض ما بدأت من كتاباتي. وعلى ضفاف «السين» أخذتني الذاكرة إلى زيارتي الأولى وطري على بالي بوعبير، العراقي، القيادي البعثي، اللي أول ما عرّف عن نفسه قال لي: أخوك بوعبير بعثي من ثلاثين سنة، وأنا قتلت آدمي بإيدي! الصراحة أرعبني كلامه بس رديت عليه وبحدة وقلت له: يعني أنت مستانس بها التعريف؟! اسكت لا يسمعونك الفرنسيين ويعدمونك. فضحك، وقال: لا ما في إعدام في فرنسا، وعلاقة العراق بفرنسا تسمح لي أتكلم على كيفي. المهم قصة بوعبير أخليها لمقالنا المقبل، ولنا فيها حكمة.

 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء التاسع من مايو عام ٢٠١٧  (الرابط الالكتروني)

مدينة الأقفال Pdf

عدد الزائرين:

110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr