بوعبير

 

 

في المقال السابق كتبت عن مدينة باريس وعلاقة الحب التي تربطني بها منذ أكثر من ٣٦ عاماً؛ تضمنت دراسة وتجارة وسياحة، فأول زيارة لابنتي إيمان إلى تلك المدينة لم يكن عمرها يتجاوز الستة أشهر، وترعرعت وكبرت ولم أبخل عليها بزيارتها وكذلك أخويها وأبنائها، لكن للأسف لم يهو أيٌ منهم تلك المدينة كما هويتها! لكن أرجع إلى قصة صاحبي البعثي بوعبير. طبعاً أول ما وصلت باريس ما كنت أعرف الشمال من الجنوب ولا أعرف كلمة بالفرنسي، ومعهدنا كان بالضواحي في منطقة تدعى رو ماليزون. ولأني غشيم سكنت في منطقة قريبة من برج إيفل، يعني كل يوم أمشي نص ساعة إلى محطة المترو، واسمها بيير حكيم، ومنها إلى محطة إيتوال في الشانزليزيه، ومن هناك بالقطار إلى محطة لاديفانس وبعدين الباص وبعدين مشي نص ساعة والردة نفس الشيء. ضحك بوعبير وقال لي: ضحكوا عليك وتلاقيهم ماخذين عمولة منك. وهنا بدأت صداقة غير متكافئة مع هذا الإنسان المتناقض البالغ العقد الخامس من العمر، وأصبحنا أصدقاء وأعداء في ذات الوقت، فهو إنسان طيب وكريم، وتعلمت منه الكثير، خصوصاً عن تاريخ البعث الأغبر وكيفية نشأته وتصفيته لخصومه، وكل هذه المعلومات كان يغردها لي صاحبنا على العشاء في بيته القريب من غابة بولونيا، وما قصرت أم عبير كل يوم العشاء شكل، وأنا ما أقصر معاهم، لكن المشكلة الوحيدة التي ظلت قائمة بيننا وتسببت أكثر من مرة في نزاع وقرار قطع علاقتي معه لكن أعود عن القرار بعد اعتذاره لي وإصراره على الحضور إلى منزله هي مسألة الكويت.

نعم، فهذا الرجل كان مصراً على إيصال رسالة أن الكويت هي جزء من العراق، وقبيل عودتي إلى الكويت زرته للمرة الأخيرة وقال: اسمعني عدل ولا تعصب، وأقول لك هذا الكلام لأني أعزك، فالكويت سوف ترجع للعراق وكلها أيام ويتسلم صدام زمام الحكم في العراق فاسمع نصيحتي وارجع أميركا فخلال عشر سنوات ماكو شي اسمه الكويت، فشديت معه ورديت: خلال عشر سنوات ما كو شي اسمه العراق. فأنهى كلامه في الموضوع وقال لي من القلب: صدّق العراقي في كل شي إلا موضوع الكويت، فتلك ثقافة جارفة بأن الكويت هي جزء من العراق. هذا الكلام كان عام ١٩٨٠، ولم أر بوعبير بعدها، لكني علمت بما قاله، والحكمة هنا أن علينا أن نتعامل مع العراق لكن ليس بثقة مطلقة، وأن يكون الحذر ديدننا، وتكفي التظاهرات الأخيرة المطالبة بخور عبدالله الكويتي، فكما قال بوعبير، وبوعبير ربما صادق في هذه، إن أطماع العراقيين في الكويت ثقافة، فهم يختلفون على كل شيء إلا هذه!

 

 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السادس عشر من مايو ٢٠١٧  (الرابط الالكتروني )

بوعبير Pdf

عدد الزائرين:

48 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr