البصمة الحرام

 

قبل عام دعيت إلى مقابلة وأعطاني المخرج العنوان، الموعد كان مساء إحدى الليالي الرمضانية، وتجنبًا للازدحام وصلت قبل الوقت وانتظرت في السيارة خارج أحد المباني، ولاحظت حركة غير طبيعية تحدث أمام المبنى، سيارات تقف فينزل صاحبها وبعد دقائق يعود ويشغل سيارته ويذهب. وخلال نصف ساعة وحتى لا أبالغ رأيت العشرات من هؤلاء يقومون بنفس التصرف من رجال ونساء، وفي خضم المشهد اتصل علي المخرج وقال لي «وينك؟» فأجبته «أمام مبناكم»، فضحك صاحبنا وقال «انت واقف عند المبنى الخطأ». وفعلا كانت ظلمة والمباني تتشابه. وبعد المقابلة طرى على بالي المشهد السابق وسألت المخرج: «شسالفة هالعالم اللي داشة وطالعة؟»، فرد علي بابتسامة «هذول موظفين إما جايين يبصمون لإثبات الحضور للعمل أو للانصراف منه». وسألته «يعني كل هؤلاء مو قاعدين يداومون وياخذون راتب بدون عمل، وليش انت وفريقك ما تسوون مثلهم متعبين روحكم؟» فأجاب وبحكمة أعجبتني «لو خليت خربت». فعلا في ناس تعمل بجد وإخلاص وقد يكونون الأكثرية، لكن ضايعين بين ضعفاء النفوس اللي ما يخافون الله ولا هامهم وطنهم ولا مستقبل أولادهم، وما يتقاضونه هو مال حرام وللأسف تجد بعضهم من أكثر الناس انتقادًا للحكومة وتردي الخدمات والمستوى التعليمي والصحي وتلاقي بعضهم يتكلمون عن الخلل بميزانية الدولة، واللي أصلًا هم الخلل الأول فيها والمتسبب بما نحن عليه الآن من تخلف. وقرأنا في الصحف الإجراءات التي قامت بها وزارة الصحة بعد رصد مجموعة من الموظفين تتلاعب بالحضور والانصراف، وكذلك طلعت علينا الصحف بإعادة ٩ آلاف موظف لمبالغ غير مستحقة لهم حصلوا عليها بالتلاعب بتوقيع البصمة ونظام دعم العمالة، وتلك الأرقام ما هي إلا رأس جبل الجليد، والمخفي أعظم! وأتساءل هنا: ما الحل لتلك المعضلة: هل في ربط آلية الدخول والخروج بالكاميرات بحيث ترصد الكاميرات حضور الموظف بدلا عن البصمة؟ أو في بطاقة ممغنطة ترصد خروجه من المؤسسة بعد توقيعه؟ في الواقع هناك العديد من الآليات التي تحكم حركة الموظف، لكن باعتقادي لن تكون الحل، فالخلل المسبب لتلك الظاهرة والذي يجب أن نعي له هو انعدام العمل الفعلي. ففي الواقع لا يوجد عمل فعلي ومشجع للعديد من الموظفين اللي يحضرون الدوام وما عندهم تلك المسؤوليات والمهام التي تستحق وجودهم، يضاف لها الافتقار الى الرقابة والتواصل ما بين المسؤول وموظفيه. فتجد المسؤول يعتمد على عدة أشخاص ينجزون العمل والبقية ما هم إلا تحصيل حاصل، ويمكن عدم حضورهم أنجع وأفضل للعمل، فالبطالة المقنعة آفة كبيرة، وإن ارتأت الحكومة حلها فعليها تغيير آلية التوظيف في الحكومة وفتح باب التقاعد المبكر للتخلص من جحافل الموظفين غير المنتجين، وكذلك إنصاف هؤلاء الجنود المجهولين من الموظفين الذين تقع على كاهلهم مسؤولية الأداء الحكومي، وتميزهم عن الآخرين من أصحاب «البصمة الحرام».

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر يوم السادس من نوفمبر عام ٢٠١٨ (الرابط الالكتروني)

البصمة الحرام Pdf

عدد الزائرين:

101 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr