هيئة القُصَّر.. نموذج للتميز الحكومي

لطالما لاحظتُ أننا وفي خضم حديثنا عن شؤون التنمية والتطوير في مؤسساتنا، غالباً ما نسلط الضوء على نجاحات القطاع الخاص، متغافلين عن العديد من المؤسسات الحكومية التي أصبحت تُعد نموذجاً للعمل الحكومي الناجح، واسمحوا لي في هذا المقال، أن أستعرض نموذجاً من هذه النماذج، متمثلاً في الهيئة العامة لشؤون القُصَّر، هذه المؤسسة التي تأسست عام 1939م في عهد المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير الكويت آنذاك، تحت اسم «دائرة الأيتام» فكانت الكويت بذلك سباقة في إنشاء أول هيئة تهتم بشؤون ورعاية القُصَّر على مستوى دول الخليج العربي، من منطلق حرصها على اليتيم والمحافظة على ماله وتنشئته النشأة الصالحة عملاً بوصايا ديننا الحنيف، فمنذ نشأتها الأولى وهذه المؤسسة تحمل على عاتقها مسؤولية كبيرة تجاه فئة القُصَّر ممن لا وصي ولا ولي لهم، فنجحت عبر مسيرتها الطويلة وبالمجمل في تحويل التحديات إلى فرص وأن ترسم مساراً جديداً للعمل الحكومي، الأمر الذي تجلى في إنجازات عدة حسية وملموسة، كتحديث أنظمتها الإدارية لتيسير معاملات المستفيدين، وتنمية أصولها من خلال إستراتيجيات استثمارية، فضلاً عن إطلاق برامج توعوية وتدريبية شاملة لتأهيل القُصَّر في شتى المجالات، بالتوازي مع اهتمامها بالجانبين الاجتماعي والتحفيزي من خلال تنظيم فعاليات لتكريم الطلبة المتفوقين وتعزيز الأنشطة الاجتماعية الداعمة للفئات المستهدفة، كمشاركتها في معرض «أغلى وطن» بركنٍ خاص بها وذلك بتنظيم من مكتب الشهيد بمناسبة الأعياد الوطنية، الأمر الذي يعكس حرص الهيئة الدائم على تكثيف وتطوير أنشطتها وفعالياتها التي تعزز الانتماء وإحياء المناسبات الوطنية، ومن تلك المشاريع الطموحة أيضاً، على سبيل الذكر لا الحصر، مشروع «بادر ويانا» الذي شاركنا فيه مع الهيئة، والذي يقوم على مبدأ الاستثمار الفعّال والاعتناء بالطلبة القُصَّر، بهدف استثمار وقتهم وصقل مهاراتهم وتهيئتهم للانخراط بسوق العمل، جُل هذه المشاريع والمبادرات يعكس نجاح الهيئة وتميزها، هذا النجاح الذي لم يكن وليد الصدفة أو مجرد إنجازٍ فردي، إنما أتى نتيجة إدارة رشيدة جمعت بين الرؤية والحكمة، تبنت نهجاً تطويرياً شاملاً أثبتت الهيئة من خلاله قدرتها على التميز والابتكار، والجدير بالذكر أن جهود الهيئة أهّلتها للحصول على العديد من الجوائز تقديراً لدورها الريادي، كفوزها بجائزة الكويت للتميز المؤسسي، وحصولها على المركز الأول في مسابقة الإبداع الإداري، وغيرها العديد من الإنجازات، وللعلم فإن بعض امن دول مجلس التعاون الخليجي اخذت بتجربة الكويت برعاية القصر واعتبرته نموذجاً يُحتذى، وبذلك فإن نجاح الهيئة يُثبت لنا أن العمل الحكومي يستطيع ان يتميز عندما يُدار بكفاءة ورؤية واضحة، ويمكن أن يحقق إنجازات تضاهي، بل وتتفوق أحياناً على القطاع الخاص، وانا شخصيا عاصرت تلك الهيئة والقائمين عليها بشكل مباشر منذ وفاة والدي رحمه الله عام ١٩٦٥ من يوم ما كنت قاصراً والى اليوم مشارك الهيئة بادارة وتنمية وقف الوالد شهدت كل مراحلها الجميلة ومراحلها الصعبة تتغير أحوالها صعودا أو هبوطا بتغير قيادييها، ومن باب الحرص والنصيحة اود ان انبه عن خطورة فراغ المناصب القيادية لفترة طويلة، وكذلك خطورة تقاعد قدامى الادارة العليا والوسطى، واتكلم عن المخلصين منهم، فقد اصبح التقاعد لهم اكثر اغراء من الاستمرار بالوظيفة، فهؤلاء هم من صنعوا الفرق بالادارة وهم العامود الفقري لأداء الهيئة طوال كل السنوات، والخطورة الكبرى، تتمثل بعدم جدية البعض من الموظفين الجدد في القطاع الحكومي بشكل عام، فهم يحتاجون الى الكثير من الضبط والربط والتحفيز والتدريب، ومن بعد ذلك وما علينا سوى الإيمان بقدرات طاقاتنا الشبابية الإبداعية، وإتاحة الفرص أمامهم للحصول على التميز والريادة، وفي ختام هذا المقال لا بُد من التوجه بأسمى آيات التهاني والتبريكات للمهندسة دلال محمود النوري بمناسبة تكليفها مديرة عامة للهيئة، سائلين الله عز وجل لها ولتلك المؤسسة كل النجاح والتوفيق.وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثاني والعشرون من أكتوبر 2024 (الرابط الإلكتروني)
هيئة القُصَّر.. نموذج للتميز الحكومي PDF




