الكابتن محمد الحوطي

essay image

في مقالٍ سابق تحدّثنا عن الوقت وكيف يستعصي على من يحاول قطعه، وكيف أنّ الانشغال وحده لا يعني أنّنا نعيش، وأنّ السعادة الحقيقية لا تُصنع من ركضٍ متواصل بلا توقّف، بل من لحظات هادئة نُحسن فيها الحمد والشكر والرضا، ومع ذلك بقي في ذهني وجهٌ آخر لهذه الحقيقة، وجهٌ أعمق وأكثر إنسانيةً، سمعته من رجلٍ كان يرى احيانا ما لا يراه غيره، ويصمت احيانا حيث يثرثر الآخرون، ثم يتكلّم احيانا كلمةً واحدة تساوي ساعات من الكلام، والحكمة التي أود أن أرويها اليوم أسمعنيها، رحمه الله، الكابتن محمد الحوطي، صديق قديم لطيف المعشر نتلاقى من وقت لآخر وكان يعمل طيارا علي الخطوط الجوية الكويتية بذلك الوقت، إذ كنت ذات يوم قاعد أتحلطم عن بطء إنجاز المعاملات الحكومية، ولاحظته حينها ما يرد ولا يشارك بالحديث، فسألته: شفيك مو على عادتك، رد عليّ حينها بسؤال: تدري شنو أسرع شي يمشي عندنا بالكويت؟ قلت شنو، رد وقال: «الوقت»، بل الوقت بالكويت هو الأسرع بالعالم، فاليوم عندنا يمضي كالبرق ويأخد سنين العمر معاه من غير ما نشعر ولا نلاحظ، حتى يشتعل الرأس شيباً وتصبح العصي هي الرجل الثالثة لنا، هذا إذا ما كنا على كرسي متحرك ويدزنا خادم في المولات، وكمل تدري ليش؟ قلت له: ومنكم نستفيد قول ليش، ابتسم وقال: لأننا في الكويت عايشين بنعمة، الكل مرتاح وضغوطات العمل أقل بكثير من أي مكان آخر، والدنيا سهلة والحكومة اللي نتحلطم عليها مسؤولة عن المواطن من يوم ولادته إلى يوم ما يروح قبره بسيارة البلدية، الكويت حلوة ووناسة وكل من له ربعه، وكل جالية لها ربعها ومكانها، وما تحس إنها بغربة، وأمن أمان ما هو موجود بمكان ثاني، فالإحساس بالوقت يتطلب الإحساس بالمعاناة، واللي اهي عندنا الأقل بالعالم، وكمل بسؤال: تدري منو اللي يحس بالوقت؟ قلت قول اليوم يوم الفلسفة وعلم النفس: ضحك وقال: ما حد يحس بالوقت مثل السجين والمريض! الصراحة عجبني كلامه وتحليله إلى درجة صرت أكرره دائماً ولأكثر من ثلاثين عاماً، فهذه الجملة لا تحتاج إضافة، فالسجين يعدّ الأيام لأنّ حريّته مقيّدة، والمريض يعدّ الساعات لأنّ جسده في حرب، وكلاهما يعيش الوقت بكلّ ثقله وقسوته لأنّه فقد نعمةً كان يظنّها مضمونة إلى الأبد، أمّا نحن فنسبح في النعمة حتى نحسبها هواءً، ولا نشعر بها إلا حين تغيب. وفي هذا يقول الفيلسوف الرواقي لوكيوس سينيكا: «ليس الأمر أنّ لدينا وقتاً قصيراً للعيش، بل إنّنا نُضيّع الكثير منه»، فالوقت لم يكن يوماً قصيراً، لكنّنا أتقنّا فنّ إهداره ونحن نحسب أنّنا نعيشه، وهذا بالضبط ما أوقظه فيّ تحليل صاحبي محمد الحوطي كلّما ضاق صدري بشيء؛ أنّ الشكوى لا تُعيد لحظةً ضائعة، وأنّ الشكر وحده هو من يمنح اللحظة معنىً يستحق أن تُعاش، رحمك الله يا صاحبي، وجزاك خيراً عن كلّ من سمعك فاستيقظ.

وبمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، كل عامٍ وأنتم بخير، ولحجاجنا حج مبرور وذنب مغفور وسعي مشكور.

وتسلمون.

 جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السادس والعشرون من مايو 2026 (الرابط الإلكتروني).

الكابتن محمد الحوطي - PDF