إثراء

خلال زيارتي الأخيرة للمملكة العربية السعودية، وعقب مشاركتي في ملتقى الممارسات الوقفية 2024 الذي نظمته غرفة الشرقية في المملكة، توجهت بزيارة إلى مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، الذي يقع في منطقة الظهران على بُعد خطوات من «بئر الخير»، هناك حيث اكتُشف النفط في المملكة للمرة الأولى، وأتت الزيارة بدعوة من قسم المراسم في المركز للاطلاع على التجارب الفريدة والمميزة في المركز، لما يمثله كوجهٍ من أوجه الثقافة والإبداع في المملكة، الذي تجاوز بفكرته مفهوم المؤسسات الثقافية التقليدية، متحولاً بذلك إلى وجهة معرفية وترفيهية، تهدف للتنمية الاجتماعية والثقافية، وذلك عقب جهودٍ حثيثة من قبل شركة أرامكو السعودية، المعروفة بريادتها في إطلاق مبادراتها المتميزة في خدمة المجتمع، فأطلقت هذا المركز كمشروعٍ نوعي لمجتمع وشباب المملكة، للتحفيز على طلب المعرفة والإبداع والابتكار وتأسيس ثقافة التواصل الحضاري مع العالم؛ ولا غرابة في ذلك، فعند رؤيتك الأولى لهذا المركز، يأسرك التصميم المعماري الاستثنائي الذي تميز به، والذي أبدعته الشركة النرويجية «سنوهيتا»، على هيئة مجموعة من الأحجار ترمز في تجمعها إلى الوحدة، فالمبنى يبدو كمجموعة باهرة من الصخور الضخمة المتناغمة، وعند السؤال عن رمزية هذا التصميم، كانت الإجابة بأن الرمزية تكمُن في العامل الزمني للتصميم الداخلي للمبنى، فالأدوار الواقعة تحت مستوى سطح الأرض ترمز إلى أصالة الماضي، وعند الوصول إلى مستوى السطح نلاحظ وبشكلٍ جليّ نهضة الحاضر، أما برج المعرفة الشامخ فيمثل ببنائه المستقبل الواعد، ولعل أكثر ما يلفت في هذا المركز، عدا عن التصميم الخارجي، الأركان الأساسية التي يضمها، كالمكتبة العصرية المكونة من 4 طوابق، والمتميزة بكونها مساحة للتعلم وإقامة النشاطات، بتصميمها الهادف لتعزيز التعلم الفردي والجماعي، إلى جانب المكتبة الإلكترونية التي تضم أكثر من 55 ألف كتابٍ إلكتروني ومجلات وصحف متنوعة، أما برج إثراء فيتضمن 18 طابقاً ومختبراً للأفكار موفراً بين ثناياه الأدوات المعرفية التي تساعد المشاركين في تصميم وبناء مشاريعهم وتحفز الإبداع لديهم، كما يحتوي المركز على متحفٍ تراثي، يضم 5 صالاتٍ للعرض، تجمع ما بين الفن الحديث والمعاصر والتراث السعودي والفن الإسلامي والتاريخ الطبيعي للمنطقة، ومن صروح هذا المركز أيضاً، سينما مميزة ومسرح لفنون الأداء، ومتحفاً للطفل، ليقدم بهذه العناصر مجتمعة تجربةً فريدةً تمزج بين الماضي والحاضر والمستقبل، متجاوزاً بذلك فكرة المبنى إلى توفير مساحة من الإلهام تحضن الإبداع والخيال، وبذلك فإن هذا المركز يمثل لكل زائر مثالاً وشاهداً على رؤية المملكة 2030 في تمكين المعرفة وتعزيز الثقافة، بالتركيز على أن مستقبل الإنسان يُبنى بالعلم والإبداع، وأن الثقافة هي الجسر الذي يعبر به المجتمع نحو آفاق أرحب وأكثر إشراقاً، ولعل أكثر ما أثار إعجابي هو تمكين الشباب السعودي في عملهم النابع من مهنيتهم العالية وقدرتهم الإبداعية الخلاقة، فكل الشكر لإدارة مركز إثراء وفريق العمل على جهودهم المميزة، والمعلومات القيّمة التي أثرونا بها، خاصةً فيما يتعلق بمعرض الطاقة الموجود في المركز، والشرح الغني حول طريقة نقل النفط بالمملكة ومن ضمنها الأنابيب، ما استحضر في ذاكرتي خط أنابيب تاب لاين، الخط النفطي الأكبر في العالم، الذي يبلغ طوله 1664 كيلومترا، ويمتد من منطقة القيصومة شمال المنطقة الشرقية حتى ميناء صيدا جنوبي لبنان، حيث كانت الطائرات قديماً تتبعه إلى لبنان، واذكر جيدا بكل رحله الى لبنان ينبه الطيار عن سير الطائره فوق هذا الخط، وكأنه بوصلة للطائرة، وكنت امعن النظر طويلا اليه من شباك الطائرة وكأنه ثعبان اسود طويل وسط رمال الصحراء وعادت لي تلك الذاكره وانا انظر الى صورة هذا الخط معلقة بالمتحف، واسمع شرح مضيفتنا، ولم استطع الا ان اقاطعها سائلا: «أتعرفين اسم هذا البايب النفطي؟» فأجابت بالنفي قلت لها خليني اقول لك قصة عنه تروينها لزوار المتحف مستقبلا.
وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع عشر من ديسمبر 2024 (الرابط الإلكتروني).
إثراء - PDF




