تجربة تستحق القراءة

essay image

معارض الكتاب هذه السنة كانت مختلفة وممتعة، فيها تنوّع لافت وكتب تجذبك قبل حتى ما تفتحها. وأنا أتجول بين الرفوف، لفت انتباهي كتاب عنوانه العربي وحده يشدك: «حفلة التيس – The Feast of the Goat»، والعمل للروائي الكبير ماريو فارغاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2010، وهو واحد من أهم الأصوات الأدبية في أمريكا اللاتينية، وتدور أحداث الرواية حول شخصية الدكتاتور رافائيل ليونيداس تروخيو، الذي حكم الدومينيكان بقبضة من حديد، إلى أن اُغتيل عام 1961، وبعد واحد وثلاثين عامًا من الحكم المستبد، تجر هذه القصة القارئ إلى اتجاهات عدة متشابكة، أولها كرواية مشوّقة تأخذك بعمق إلى التاريخ، وتعيدك إلى حاضره بتداخل شخصيات أصلها حقيقي، ولكنها مُصاغة بحبكة روائية آسرة، ولكن مشكلتها أنك لا تستطيع ترك الكتاب إلى أن تخلصه، وإلا ستضيع بين الأسماء الثلاثية للأبطال، وخصوصاً أنها أسماء لاتينية، يعني أحياناً تحتاج وقتاً لربط الأحداث والشخصيات، والقصة ما هي رومانسية ولا خيالية، بل واقعية بامتياز، وبها من الأحداث والمواقف المحزنة، وكأنك تشاهد فيلم رعب مليء بالدماء والقتل والكثير من القسوة، وفظائع السجون والقائمين عليها، أما الاتجاه الثاني فهو تعريفٌ تاريخيٌّ وجغرافي بتلك الجزيرة الكاريبية، ففعلاً هناك معلومات ما كنت أعرفها، والكثير منا ما يعرفها، والرواية دفعتني للبحث التاريخي، فالدومينكان تشترك مع هايتي في جزيرة واحدة، ولكن الدومينيكان ذات أصول مختلطة بين الأسبانية والسكان الأصليين، أما هايتي فقصتها غريبة ومؤلمة، إذ تحمل هوية أفريقية قوية، كونها أول جمهورية أفريقية مستقلة في العالم، بعد نجاح ثورة العبيد عام 1804، حين ثار أكثر من نصف مليون عبد على الاستعمار الفرنسي، لكن الشيء، الذي قد يجهله كثيرون أن فرنسا لم تعترف باستقلال هايتي إلا بشرط تعويض مالي ضخم، عام 1825، بلغ 150 مليون فرنك ذهبي، وهو مبلغ هائل بمقاييس ذاك الوقت، ورغم تخفيض جزء منه لاحقًا، فإن هايتي ظلت مقيدة به وبفوائده وديونه المتراكمة حتى بدايات القرن العشرين، وتحديدًا حتى 1915 تقريبًا، حين دخلت تحت الاحتلال الأمريكي، الذي أعاد ترتيب جزء من التزاماتها المالية، هذه الديون أنهكت اقتصاد البلاد منذ ولادتها، وأقدر أسميها هايتي «أم الانقلابات»، فتاريخها مفعم بالانقلابات العسكرية، وإلى اليوم ما عندهم رئيس لأكثر من عامين، وتُعتبر من الدول الأفقر في العالم، بينما الدومينيكان لم تكن أفضل حالاً خلال حكم الدكتاتور تروخيو ولا بعده بسنوات، حيث مرت البلاد بقلاقل كثيرة وحكم ميليشيات، وسلسلة طويلة من الانقلابات والأزمات، وأصبحت هايتي اليوم واحدة من أفقر الدول في العالم، بينما جارتها الدومينيكان سارت في طريق أكثر استقرارًا، واستطاعت أن تبني اقتصادًا معتمدًا على السياحة والنمو، وينتقل بك الاتجاه الثالث إلى عالم الدكتاتوريات الدموية والمرعبة، وأعتقد أن من جيلنا اللي عاصر وصول صدام حسين إلى سدة الحكم في العراق، يستطيع المقارنة ويرى التشابه الكبير بين الدكتاتوريتين، ويتضح أن هناك نمطاً يشترك به هؤلاء المرعبون، ونمطاً آخر يعكس شخصيات مساعديهم، وما آلوا إليه في ظل حكم دكتاتورهم ومن بعده، أنماط متشابهة بقدر كبير، ومع اختلاف الزمان والمكان، المهم أن الكاتب يسرد التاريخ ويقدّمه من خلال شخصيات من لحم ودم، أبرزهم أورانيا كابرال، التي تعود إلى بلدها بعد غياب طويل، لتواجه ماضيها ووالدها ونفسها، ومن خلال هذه العودة يبدأ القارئ بالدخول في طبقات الحكاية: الماضي، الحاضر، الذكريات، الخوف، والجرح الذي لم يلتئم، ومع أن أحداث الرواية قائمة على وقائع حقيقية، فإن الكاتب يعيد صياغتها بحبكة روائية، تجعل القارئ يعيش داخل الزمن بدل أن يقرأ عنه قراءة سطحية، ومع كل هذا العمق، تبقى الرواية عملًا أدبيًا مشوقًا، فالأحداث تتداخل بسلاسة، والشخصيات الثانوية لها حضور قوي، والكاتب يعرف كيف يجعل القارئ يركض وراء التفاصيل دون ملل، وفي الوقت نفسه، لا يُخفي الجانب الإنساني: الخوف، الندم، الطموح، والانكسارات التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع التاريخ، ومن قصص الدكتاتورية الدمويه الغريبة، وقليل من الناس يعرفونها: مذبحة البقدونس، عام 1937، وفي عهد تروخيو نفسه، أمر بقتل الآلاف من الهايتيين، الذين يعيشون على حدود الدومينيكان، وكان الجنود يعرضون على المشتبه بهم غصن بقدونس، ويطلبون منهم نطق كلمة perejil. من نطقها بلهجة أسبانية سُمح له بالمرور، ومن نطقها بلكنة كريولية ــ لهجة الهايتيين ــ يُقتل فورًا. في أيام قليلة، قُتل ما بين 12 إلى 20 ألف إنسان فقط، لأن ألسنتهم فضحت أصولهم.

وخلاصة القول انه ورغم متعة السرد وقوة البناء، فإنه من العدل أن نقول إن «حفلة التيس» ليست رواية مناسبة للجميع، لأنها مليئة بالعنف والمشاهد القاسية، التي قد تثقل على بعض القرّاء، لكنها لمن يحب الأدب اللاتيني، والكتابة العميقة، واستكشاف عوالم جديدة، فهي تجربة تستحق القراءة.

وتسلمون.

جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السادس عشر من ديسمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).

تجربة تستحق القراءة - PDF