مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية

في استكمالٍ لرحلتي المعرفية عبر معالم الرياض الحضارية، أتوقف اليوم في هذا المقال عند محطة لا تقل أهمية عن سابقاتها، ألا وهي زيارتي لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ذلك الصرح الذي يحمل على عاتقه مسؤولية جليلة، تتمثل في أن يكون مرجعية علمية عالمية في خدمة لغة الضاد، وكان لي شرف اللقاء بالأمين العام للمجمع، الأستاذ الدكتور عبدالله الوشمي، الذي أتاح لي فرصة الاطلاع عن قرب على عملٍ مؤسسي متكامل، يجمع بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على المستقبل، وكنتُ قد بدأت جولتي في المتحف والمعرض الدائم، حيث وجدت نفسي أمام منظومة متكاملة من المبادرات النوعية، التي ينفذها المجمع في مجالات التطوير اللغوي والترجمة والتقنيات الحديثة، وما لفت انتباهي بشكل خاص هو أن المجمع لا يكتفي بالعمل الأكاديمي البحثي المحض، بل يمتد أثره ليشمل جميع الفئات والأعمار، فهو يخاطب الطفل في مراحله الأولى، كما يخاطب الباحث المتخصص، ويستهدف المتعلم الأجنبي أيضاً، وهذا التنوع والشمولية يعكسان فهماً عميقاً لطبيعة التحدي اللغوي المعاصر، الذي لا يمكن مواجهته بجهود جزئية أو مبعثرة، بل يتطلب استراتيجية متعددة المسارات، تبني جسوراً بين الماضي والحاضر، وبين المحلي والعالمي، ومن أبرز ما شاهدته هناك معرض اللغة العربية للطفل، تلك التجربة التفاعلية الفريدة، التي تحول تعلم اللغة من واجب مدرسي ثقيل إلى مغامرة محببة، تغرس في نفس الطفل الاعتزاز بهويته اللغوية دون فرض أو تلقين، هذا الاستثمار الواعي في مرحلة الطفولة المبكرة إنما يعكس إدراكاً استراتيجياً لحقيقة محورية، مفادها أن مستقبل أي لغة لا يُبنى في قاعات الجامعات ومراكز البحوث وحدها، بل يُرسى أساسه في نفوس الأطفال، الذين سيكونون حراس اللغة في الغد، فالطفل الذي يكتشف جمال لغته ويتفاعل معها بحب وشغف اليوم، سيصبح بطبيعة الحال مدافعاً عنها وناشراً لها غداً، ويتجلى البُعد التعليمي العملي للمجمع بوضوح في مركز أبجد المتخصص في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، والذي يستخدم منهجيات تعليمية حديثة ومبتكرة، تجعل من تعلم العربية تجربة فاعلة وممتعة، بعيدة عن الأساليب التقليدية الجافة، ولأن المجمع يدرك أن مستقبل اللغات مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقنية والذكاء الاصطناعي، أطلق قسم «ذكاء العربية»، الذي يعمل على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المعالجة الآلية للغة العربية، فهذا القسم لا يقتصر دوره على التنظير والدراسات النظرية، بل يعمل على بناء حلول عملية، تسهّل استخدام اللغة في العصر الرقمي، وتضمن حضورها القوي في التقنيات المتقدمة، من تطبيقات الترجمة الآلية إلى معالجة النصوص ومحركات البحث والمساعدات الصوتية الذكية، كل هذه المبادرات المتنوعة والمتكاملة تصب في تحقيق أهداف استراتيجية واضحة ومحددة يضعها المجمع نصب عينيه، تبدأ بتعزيز البحث والنشر في اللغة العربية، ورفع مستواها إلى المعايير العالمية، وتمتد إلى بناء السياسات والمعايير اللغوية، التي تنظم استخدام اللغة وتطويرها، وصولًا إلى تحقيق المرجعية العالمية في المدونات اللغوية والمعاجم العربية، التي تشكل الأساس المعرفي لأي عمل لغوي جاد.
وختاماً، لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان للدكتور عبدالله الوشمي، وفريق العمل المتميز في المجمع، على كرم الضيافة وعمق الحوار الذي أثرى زيارتي، وآمل أن تتوج رحلتي هذه بنقل تلك التجربة إلى متحف بيت العثمان من ضمن الرؤية الجديدة لذلك المتحف، ليضم بين أركانه منارة للغة العربية، وليغدو إلى جانب كونه حاضناً للذاكرة والتراث منصة حية لتجارب لغوية وثقافية معاصرة، تستثمر في الطفل، وتخاطب المجتمع، وتواكب التحولات الرقمية المعاصرة.
وتسلمون
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء العشرون من يناير 2026 (الرابط الإلكتروني).
مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية - PDF




