كأس العرب.. وصناعة المستقبل

essay image

شدتني المقابلة، التي أجراها الشيخ أحمد اليوسف الصباح، رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، مع إحدى القنوات الرياضية، فـ«بوتركي» من الشخصيات المحترمة جداً والمتواضعة، ويمكن آخر مرة قابلته فيها على ما أذكر في أوائل التسعينيات، وصدره واسع يتحمّل النقد، ومن خلال المقابلة شخّص الوضع الرياضي بكل هدوء ومن وجهة نظره، وفي اعتقادي الشخصي فريقنا أداؤه كان في مسابقة كأس العرب فوق الممتاز، بغض النظر عن خروجه من التصفيات الأولى، ففرق أُخرى محترفة، ولديها كل الإمكانيات، خرجت أيضاً، والكلام اللي قاله «بوتركي» صحيح جداً في ما يتعلق بالنقد اللاذع للاعبين من بعض الصحافيين والمعلقين الرياضيين، وأنه فعلاً يؤثر في نفسية من هم على أرض الملعب، وذكر أن ليس عندنا ملاعب تمرين، وأن قوانين الرياضة، وخصوصاً الاحتراف، تحتاج إلى تطوير، والحل كما ذكر بيد الحكومة، وشخصياً أعتقد أن الحكومة ذاهبة في هذا الاتجاه، ولكن تحتاج إلى وقت، وأقول لـ«بوتركي» هاردلك والقادم أفضل بلا شك، ولكن أضيف على ما ذكرت أن الأندية ليست فقط مسؤولة عن تطوير وإظهار المواهب الكروية، بل هي تبدأ في المدارس بمراحلها المختلفة، كما كان معمولاً به أيام الستينيات والسبعينيات، المهم كل الشكر والتقدير للأزرق وجهازه الفني وللجمهور الكويتي الكبير، وحديث «بوتركي» عن التحديات التي تواجه الرياضة الكويتية يدفعنا للنظر في تجارب مجاورة نجحت في تحويل الاستثمار الرياضي إلى مشروع تنموي شامل، ومن يتأمل التجربة القطرية في العقدين الأخيرين يدرك أن كأس العالم لم تكن هدفاً بحد ذاتها، بل كانت مشروع دولة، أرادت أن تصنع قفزة تاريخية عبر توظيف الرياضة كمنصة للتنمية، إذ تعاملت قطر مع الملف الرياضي باعتباره بوابة لإعادة تشكيل البنية التحتية وتطوير النقل، وتعزيز التعليم، ورفع حضورها عالميًا، فقبل المونديال أنجزت الدولة شبكة طرق ومترو متقدمة، وطورت المطارات والموانئ، ووسّعت الخطوط الجوية القطرية، الأمر الذي جعل تجربة الوصول إلى البلاد والتحرّك داخلها جزءًا من قصة النجاح نفسها، كما أن الإصلاحات التعليمية، التي رافقت هذا الزخم، لم تكن منفصلة عنه، بل جاءت كإيمان بأن بناء الإنسان هو القاعدة الحقيقية لصناعة المستقبل، فتم استقطاب جامعات دولية، وتحديث المناهج، وإطلاق مبادرات بحثية، جعلت قطر بيئة جاذبة للعقول والابتكار. ومع اقتراب موعد كأس العالم بدأت ثمار الاستثمار تتكشف تدريجيًا، وكان تنظيم «كأس العرب» قبل المونديال بروفة ناجحة، أثبتت قدرة الدولة على إدارة الأحداث الكبرى، ثم جاء المونديال ليحوّل البلاد إلى مركز عالمي للأحداث الرياضية والترفيهية والثقافية، وبدأت البلاد تجني ثمار ما أنفقته لسنوات، من خلال ترسيخ «العلامة الوطنية» لقطر كدولة حديثة، منظمة، آمنة، وذات رؤية واضحة. واليوم يمكن ملاحظة امتداد هذا الأثر إلى ما بعد الحدث، فالبنية التحتية، التي بُنيت للمونديال، تحولت إلى أصول وطنية مستدامة، ترفع جودة الحياة للمقيمين والزائرين، والملاعب ذات التصميم الذكي صارت منطلقًا لتنظيم بطولات أخرى، فيما عززت شبكة الطيران موقع قطر كمحور عبور عالمي يربط الشرق بالغرب. وهنا تتجه الأنظار إلى الكويت، التي تملك من الإمكانيات البشرية والموقع الجغرافي والموارد المالية ما يجعلها قادرة على السير في المسار ذاته، فالكويت اليوم أمام فرصة لتوظيف الرياضة والثقافة والتعليم والبنية التحتية كأدوات تنمية مستدامة، وما نستثمره اليوم في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، سنجني ثماره غدًا، ليكون المستقبل امتدادًا لطموح حاضر يبنيه جيل يؤمن بقدرة الكويت على استعادة دورها الريادي في المنطقة، وصناعة نموذج تنموي يناسب مكانتها وتاريخها.

وفي ختام بطولة كأس العرب، لا يسعنا إلا أن نحيي ونبارك لأسود الأطلس الفريق المغربي فوزه بتلك البطولة، ولفريق الاردن المتألق، ولكل الفرق المشاركة، والجمهور العربي الرائع، وشكراً قطر مرة أخرى، فقد جعلت من تلك البطولة نجاحاً عربياً وعالمياً. وتسلمون.

جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثالث والعشرون من ديسمبر 2025 (الرابط الإلكتروني).

كأس العرب.. وصناعة المستقبل - PDF