الجامع الكويتي

وبعيداً عن أجواء الحرب، تواصل معي الصديق العزيز نصار الخالدي، يخبرني أن جماعةً من بغداد استفسروا منه عن جامع في بغداد يحمل اسم المرحوم عبدالله العثمان، وأرسلوا له صوراً عن الجامع، شخصياً ما كان عندي فكرة أن لنا مسجداً في بغداد، ولكن أعرف أن للمرحوم مسجداً كبيراً في البصرة ودُمّر على أيدي الميليشيات المنفلتة بعد سقوط الطاغية صدام، وقد تواصل معنا أحد المسؤولين بالأوقاف السنية هناك من خلال بيت الزكاة، يطلبون المساعدة لترميمه، وفعلاً تم ذلك، كما أعرف أن للمرحوم تبرعاً ببناء جامع في الزبير، أما في بغداد فلم أكن أعلم، فما كان مني إلا أن فتحت الأرشيف وبدأت أقلّب الوثائق، فوجدت ما يستحق الوقوف عنده طويلاً، فتبين أن المسجد من أعمال المرحوم عبدالله العثمان الخيرية، رحمه الله، الذي تبرع بتشييده في بغداد وبإنشاء معهد ديني تحت إشراف رابطة العلماء في العراق، وكأنه أراد أن يجمع في عطائه بين موضع السجود وموضع التعلم، غير أن القدر لم يمهله ليرى ما بنى، فتوفي رحمه الله قبل افتتاح المسجد بستة أشهر فقط، وبعد رحيله تولّت رابطة العلماء في العراق مخاطبة دائرة الأيتام آنذاك بتاريخ 15–2–1966م وفق الوثائق، وتم التبرع من خيرات المرحوم لاستكمال ما تبقى من أعمال، حتى فُتحت أبوابه للمصلين وفاءً لصاحبه الذي لم يره، ومن الأرشيف أيضاً وردت قصة هذا المسجد في كتاب «تاريخ مساجد بغداد الحديثة» من تأليف الكاتب يونس الشيخ إبراهيم السامرائي، وفي ما يلي ما ورد في الكتاب لإشراك القارئ الكريم معي بهذه الوثيقة التاريخية: «يقع هذا الجامع في جانب الكرخ من بغداد، في حي السلام حالياً، بالقرب من الشارع العام الممتد بين حي الحرية وحي الوشاش، وقد سعى بتشييد هذا الجامع (جمعية رابطة العلماء) حيث تبرع ببناء هذا الجامع المرحوم عبدالله بن عبداللطيف العثمان الكويتي وذلك سنة 1386 هـ – 1966م، ويقع الباب الرئيسي بجهة القبلة وسط الدكاكين الموقوفة عليه وقدرها سبعة عشر دكاناً، كما يوجد باب آخر بالجهة الجنوبية الغربية، وإن الداخل من الباب الرئيسي يمر بحدائق على جانبي الطريق، وفي ساحة الجامع بجهة القبلة يقع الحرم، حيث يبلغ طوله ثلاثين متراً وعرضه اثني عشر متراً، وقد كتب فوق المحراب الكاشي الأزرق الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا»، وبجواره المنبر من خشب الساج، وقبالة المحراب في الطابق الأعلى مصلى للنساء له سلم من الطارمة، وبجواره محفل لقراءة القرآن الكريم، أما الطارمة (الشرفة الخارجية) فيبلغ طولها ثلاثين متراً وعرضها خمسة أمتار، وفيها محراب آخر كُتب فوقه بالكاشي الأزرق: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ»، وبالجهة الجنوبية توجد غرفتان، إحداهما للإمام والخطيب والثانية للمؤذن، ويوجد بالجهة الشمالية مكان الوضوء والمرافق الصحية، ويُدار الجامع اليوم من قِبل جمعية رابطة العلماء في العراق». وطبعاً ذكرت هذه التفاصيل المعمارية كونها جزءاً من تنوع عمارة المساجد والمواد المستخدمة حيث تختلف من مدينة واخرى، التي تتجلى بوضوح من خلال مساجد العثمان في أرجاء الوطن العربي، والمهم في الأمر تلك الشراكة التي جمعت المرحوم عبدالله العثمان برابطة العلماء في بناء المعهد الديني الملحق به، وكأنه أراد أن يضمن لعطائه رعاية مؤسسية تحميه من الإهمال وتضمن استمراره، كل الشكر لأبي سليمان على هذه المعلومة القيّمة التي جاءت من بغداد لتضيء جانباً كان مختبئاً في طيات الأرشيف، فكم من عملٍ صالح يقبع في صفحات منسية، وكم من إرث مبارك ينتظر من يُخرجه من الظل ويُعيد له حقه من التعريف والتوثيق، وهنا نلاحظ ومع كل التهديد المستمر من قبل جار الشمال، إلا أن الأيادي الكويتية البيضاء استمرت بالعطاء سواء على مستوى الدولة أو الأفراد متجاوزةً كل الجروح، فلله درك يا كويت، يحفظك الله ويحفظ أهلك، فأنتِ المثل الأعلي في العطاء والتسامح.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الأربعاء الواحد والعشرون من أبريل 2026 (الرابط الإلكتروني).
الجامع الكويتي - PDF




