مسؤولية لا تُؤجّر

أخيراً، جاء مشروع قانون مكافحة التستر التجاري، ليضع يده على واحد من أكثر الملفات التي أرهقت الاقتصاد وأضرت بالمنافسة وأساءت إلى سمعة السوق، فهذا القانون لا يستهدف المقيم الشريف الذي يعمل وفق الأنظمة، ولا المستثمر الأجنبي الذي يدخل من الأبواب النظامية، وإنما يستهدف ظاهرة طالما عرفها الجميع، وسكت عنها البعض لعقود طويلة، ودفع ثمنها كثيرون، فقبل سنوات كتبت أكثر من مرة عن ظاهرة تأجير الرخص التجارية، وحذرت من أنها ليست دخلاً سهلاً كما يتصور البعض، بل قد تكون بداية طريق طويل ينتهي في المحاكم وربما في السجن، وخلال عملي في القطاع المصرفي مرت أمامي حالات عديدة لمواطنين منحوا أسماءهم ورخصهم التجارية للغير مقابل مبلغ شهري، وكانوا يظنون أنهم أجّروا ترخيصاً، لكن الحقيقة أنهم أجّروا ذمتهم القانونية أيضاً، وما إن تقع جريمة غسل أموال أو إصدار شيكات بدون رصيد، أو تهرب ضريبي، أو نصب واحتيال، أو مخالفات مالية، حتى يكون أول من تستدعيه الجهات المختصة هو صاحب الرخصة المسجل رسمياً، لا المستغل الذي قد يختفي في لحظة، فكم من شخص بدأ رحلته بحثاً عن دخل إضافي لا يتجاوز بضع مئات من الدنانير، وانتهى وهو يواجه قضايا، ومنعاً من السفر، وحجزاً على أمواله، وربما حكماً بالسجن، لأنه كان في نظر القانون هو التاجر الحقيقي، بينما المتستر كان مجرد شبح يصعب الوصول إليه؛ ولعل أخطر آثار التستر التجاري أنه يظلم الجميع، فهو يظلم التاجر الملتزم الذي ينافس من لا يتحمل التكاليف النظامية، ويظلم الدولة التي تفقد جزءاً من حقوقها ورسومها، ويظلم المستهلك الذي قد يتعامل مع منشآت لا يعرف من يديرها فعلياً، ويظلم حتى المواطن الذي وضع اسمه على الرخصة معتقداً أنه في مأمن من المسؤولية. إن السوق الصحي لا يقوم على أسماء مستعارة ولا على واجهات شكلية، بل على الشفافية والإفصاح وتحمل المسؤولية، ومن يريد ممارسة التجارة فليمارسها وفق القانون، سواء كان مواطناً أو مستثمراً أجنبياً مرخصاً له، أما أن تباع الأسماء وتؤجّر الرخص فهذه ممارسة لا تضر الاقتصاد فقط، بل تهدد الثقة في السوق كله، وكما أسلفت مرت عليّ حالات كثيرة إبان مسؤوليتي بإدارة المديونيات الصعبة خلال عملي في البنك، ورأيت دموع الرجال، ناس فجأة يلاقون أنفسهم تحت المطالبة موقعين عقود تسهيلات وكفالات لشركاتهم التي تدار، بل مملوكة لأجانب، ومعظمهم إن لم يكن جميعهم من البسطاء المتقاعدين، وفي مرة صارت سالفة لمدير في البنك انتهى به المطاف بالسجن خمس سنوات، كان مشاركاً لآسيويين بشركة مقاولات هو مالكها، ولكن بس كحاضن لأعمالهم، وبعدها صار كافلاً مع أنه خبير، ولكن الطمع تغلب عليه والجماعة دخلوا بمناقصات عديدة وأخذوا المقدم ومنها إلى ديرتهم، وصاحبنا تورط مع عقود ما يدري شلون يديرها، وانسحبت الكفالات وقدمت الشيكات للنيابة وانتهى إلى ما لا يُحمد عقباه، المهم هذا التصرف مستمر إلى يومنا هذا، أجانب مسيطرون على قطاع المقاولات وقطاع التجزئة، وكذلك الخدمات، من خلال استئجارهم لرخص من مواطنين، والعدد ترى مو قليل، هؤلاء مو كلهم حرامية، الكثير منهم يعمل بأمانة وشرف، ولكن بمخالفة للقانون، ففي قطاعات مخصصة للمواطنين، مثل بيع وشراء العقارات والسمسرة ايضا، فخلال الفورة العقارية قبل عام ٢٠٠٨ كان هناك العديد من المهندسين غير الكويتيين يتحاططون ويشترون أراضٍ استثمارية ويبنونها لحسابهم ويبيعونها من بعد، من خلال أسماء مواطنين، هذول يحققون الملايين والمواطن يحصل على الفتات، والبعض يعطيهم وكالة يشتغلون ويأخذون تسهيلات باسمه، وإن صار شي اهو المبتلش، والعكس صحيح إن طلع مفتح قلب عليهم، وقال هذا عقاري وشركتي، وأذكر قبل عقدين تعاقدت مع شركة مقاولات لبناء عمارة، والمقاول قدم الملفات والأوراق الثبوتية حسب الأصول، وبنص المشروع لقيت «واحد مواطن» قاعد بالمكتب ويقول أنا المقاول، اتضح أن الجماعة هدوه وانحاشوا، المهم كان إنسانا طيبا، وقع لي التنازل عن المشروع وحاسبته على الأعمال المنجزة، وغضيت الطرف عن المبالغ اللي استلمها شريكه وما نفذ مقابلها، ولكن حليت الموضوع بأقل خسائر، وكنت «حظيظ» أن هذا الإنسان كان صادقا ويبي يخلص، ولكن عرفت لاحقاً أن بقية أصحاب المشاريع المعلقة ما كانوا بقدر المسامحة وانتهوا بمأساة، وتكررت قصص مشابهة كثيراً، وكما اسلفت فقد سبق أن كتبت مقالات عدة خلال السنوات العشر السابقة، ناصحاً ومحذراً، ولكن الحمد لله حكومتنا الرشيدة تتحرك تشريعياً بالاتجاه الصح، اللي يحافظ على استقرار الأعمال في الدولة ويحفظ الحقوق، لذا فإن إقرار هذا القانون خطوة مهمة، لكن نجاحه الحقيقي لن يكون إلا من خلال تغيير الثقافة السائدة التي تعتبر تأجير الرخصة أمراً عادياً، فالرخصة التجارية ليست أصلاً يؤجّر، وإنما عهدة قانونية ومسؤولية أخلاقية ومالية وجنائية، ففي النهاية، المال الذي يأتي بلا جهد قد يذهب بكل ما جمعته من سمعة وراحة بال، ويجلب لك المسؤولية القانونية خلال ساعات... وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الإثنين العاشر من أغسطس 2026 (الرابط الإلكتروني).
مسؤولية لا تُؤجّر- PDF




