محمود عبدالخالق النوري

تشرّفنا بزيارة معالي وزير المالية الأسبق السيد محمود عبدالخالق النوري إلى مسجد العثمان في النقرة، للاطلاع على حلة مسجد العثمان بعد أعمال التأهيل والترميم التي شهدها، وقد أسعدنا حضوره وأضاف على المكان بهجةً خاصة، وكان من لطفه أن أهدانا نسخة من الكتاب القيّم «النقود المتداولة في العالم الإسلامي من القرن الأول حتى القرن التاسع الهجري» الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في جزءين، وهو ثمرة عمر وصبر وشغف متواصل.
وبوخالد شخصية لا تحتاج إلى مقدمات طويلة عند من عايش مسيرة الاقتصاد الكويتي، فهو خبرة راسخة في عالم المال والأعمال، تخرّج في كلية الاقتصاد بجامعة الكويت عام 1971، وعمل في بنك الشرق الأوسط ثم في بنك الخليج المتحد في البحرين، واختير عضواً في مجالس إدارة عدد من المؤسسات المالية الكبرى، ثم تولى وزارة المالية في الفترة الممتدة بين عامَي 2003 و2005. وقد عُرف بأنه صاحب رؤية إصلاحية، وكان من أشد المنادين بتمكين القطاع الخاص وتشجيع الشباب الكويتي على ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما كانت لديه هواية راقية تجمع بين العلم والتاريخ والحضارة، وهي جمع المسكوكات الإسلامية النادرة، تلك القطع المعدنية الصغيرة التي تحمل على وجهيها شهادات حية على ألف عام من تاريخ الإسلام، وقد تراكمت مجموعته على مدى سنوات طويلة حتى بلغت أكثر من خمسمئة مسكوكة من الذهب والفضة والنحاس، كانت معروضة في متحف الكويت الوطني على مدى خمسة أعوام، قبل أن يتولى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب دراستها وتوثيقها وإصدارها في هذا الكتاب الاستثنائي، وقد أسند المجلس مهمة التأليف إلى الدكتور حامد مطلق المطيري الذي اضطلع بهذا العمل الجليل بمنهجية علمية رصينة، فصنّف كل مسكوكة وفق زمنها وإقليمها ومادة صنعها، ووثّقها بالصور والمقاييس والمراجع الدولية المعتمدة، وبالعروج قليلاً على هذه المجموعة نجد أنها تحتوي على نماذج نادرة تروي كل منها حكاية؛ فمن دراهم زياد بن أبي سفيان إلى دراهم الصحابي الجليل عبدالله بن الزبير التي أضاف عليها عبارة «لله الحمد»، إلى دراهم الخوارج الأزارقة بزعامة قطري بن الفجاءة التي تحمل شعارهم «لا حكم إلا لله» وتُعدّ من أندر ما في المجموعة، وكذلك دنانير ودراهم الحجاج بن يوسف الثقفي، ونقود الوليد بن عبدالملك، ونقود هارون الرشيد بتنوعها اللافت في الصيغ والألقاب، ودراهم المأمون التي تعكس حدة الصراع بينه وبين أخيه.
والجميل في هذا الكتاب أن المؤلف لا يعرض المسكوكة من فراغ، بل يُقدّم لها بسيرة صاحبها، فتجد نفسك تقرأ التاريخ لا من الوثائق والمخطوطات، بل من قطع معدنية صغيرة انتقلت بين الأيدي وعبرت القارات، وما يجعله استثنائياً أنه يُثبت أن ألف عام من التاريخ الإسلامي يمكن أن تُقرأ من قطعة معدنية لا تتجاوز بضعة سنتيمترات.
وأبرز ما لفت انتباهي في الكتاب تلك الرحلة الآسرة عبر نشأة النقود في العالم الإسلامي؛ فحين قامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة لم يكن للمسلمين نظام نقدي خاص بهم، فتعاملوا بما ورثوه من دراهم فارسية ودنانير بيزنطية، حتى جاء عام 77 للهجرة حين أصدر الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان أول دينار إسلامي خالص ضُرب في دمشق.
وفي الختام، نشكر بوخالد على تفضّله بهذه الزيارة الكريمة، وعلى هذه الهدية الثمينة التي أسعدتنا، ونسأل الله أن يحفظه ويُطيل في عمره ويديم عليه الصحة والعافية، وأن يبارك في مسيرته ومساهماته في خدمة التراث والثقافة.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الأحد الرابع عشر من يونيو 2026 (الرابط الإلكتروني).
محمود عبدالخالق النوري - PDF




