«نتمشى حولي».. ونقرأ ذاكرتها

 essay image

  يبدو أن حولي لا تريد أن تفارق هذه المدونة، فما إن انتهينا من الحديث عن كتاب الفنان الراحل أيوب حسين «حولي.. قرية الأنس والتسلي»، وما أثاره من ذكريات وتعليقات جميلة من أبناء المنطقة، حتى وجدت نفسي أمام حكاية أخرى عن حولي، ولكن هذه المرة يرويها جيل جديد، يحاول أن يكتشف تاريخها من خلال مبانيها وشوارعها، والحكاية هذه المرة مع معرض «نتمشى حولي»، الذي نظمه مركز البروميناد الثقافي، في إطار مبادرة مجتمعية انطلقت بالتعاون مع منصة «إناراتيف»، التي يديرها المعماري مشاري النجار من الكويت والمهندسة سارة عبدالله من البحرين، في تجربة جميلة امتدت على مدى خمس سنوات، وهدفت إلى إعادة اكتشاف المعالم المعمارية في منطقة حولي، لا بوصفها حجراً أو خرسانة فحسب، وإنما شواهد على مرحلة مهمة من تاريخ الكويت العمراني والاجتماعي، ولعل اختيار كلمة «نتمشى» يحمل في ذاته معنى جميلاً، فنحن اعتدنا أن نمشي في شوارع حولي بحثاً عن متجر أو مطعم أو لإنجاز حاجة، ولكن قلّما توقفنا أمام مبنى لنسأل من صممه، ومتى شُيّد، وماذا كان يعني لأهل المنطقة في زمنه. فالمبنى يُشيّد ليكون وجهة يقصدها الناس، ثم يمر الزمن عليه فيصير خلفية نعبرها كل يوم دون أن نراها. وقد بدأت هذه الرحلة عام 2022 بورشة «الطريق إلى حولي»، حيث تجول المشاركون في شوارع المنطقة ونقلوا مشاهداتهم إلى رسومات وخرائط وطباعات فنية، وفي عام 2023 جاءت ورشة «حولي كيتش» لتتناول مجمع العثمان، الذي صممه المعماري البولندي فويتشيك يارزبارك، ويُعد من أكثر المباني تميزاً في الكويت بزخارفه وتفاصيله المعمارية غير المألوفة، وقد تعامل المشاركون مع تلك الزخارف باعتبارها جزءاً من لغة المبنى وهويته، وقاموا بحفر بعض عناصرها وطباعتها على الأقمشة. ومما يجدر ذكره أن بعض تفاصيل تصميم المجمع استُلهمت من مئذنة مسجد العثمان القريب منه، وكأن المبنى يحمل في زخارفه شيئاً من ذاكرة جاره القديم. ثم جاءت ورشة «حولي عالبال» عام 2024 عن مجمعَي النقرة الشمالي والجنوبي، وفي تجربة طريفة وُصف المبنيان للمشاركين بالكلمات فقط، وطُلب منهم رسم ما تخيلوه قبل أن يشاهدوهما على حقيقتهما، فكانت النتيجة أعمالاً تقارن بين الحلم والواقع، وتكشف كيف يمكن أن يختلف تصور الإنسان للمكان عن صورته الحقيقية. أما عام 2025 فقد شهد ورشتين، الأولى «في رحاب الرحاب» عن مجمع الرحاب، ذلك المبنى الذي جمع تحت سقف واحد محلات الإنارة والثريات والألعاب والإلكترونيات والشقق السكنية، حيث عبّر المشاركون بالرسم والكتابة والتطريز عن تجاربهم وذكرياتهم داخله، والثانية «حولي وجادرجي» عن مجمع الحساوي السكني، الذي ارتبط اسمه بالمعماري العراقي الكبير رفعة الجادرجي، وفيها وثّق المشاركون تصميم المجمع وما طرأ عليه من تغييرات خلال نحو خمسين عاماً، وتخيلوا ما يمكن أن يكون عليه مستقبله. وأخيراً جاءت ورشة عام 2026 بعنوان «يعرض الآن: الأندلس»، لتعيد إلى الذاكرة سينما الأندلس التي كانت يوماً من أشهر معالم حولي قبل هدمها في التسعينيات، وقد استعان المشاركون بصورها القديمة وملصقات أفلامها وذكريات الناس عنها، وصنعوا منها أعمالاً فنية أعادت شيئاً من حضورها. وقد استوقفتني في مطبوعة المعرض صورة لقاعة السينما من الداخل، بمقاعدها المتراصة وشرفتها العلوية، وبحسب ما ورد في المطبوعة فقد شُيّدت عام 1961 وهُدمت عام 1994، أي أنها عاشت ثلاثة وثلاثين عاماً فقط، وتساءلت وأنا أتأمل الصورة: كم من أبناء الكويت جلسوا على تلك المقاعد؟ وكم من الضحكات والذكريات احتضنتها هذه القاعة؟ ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها لم تكتفِ بالنظر إلى العمارة بوصفها تصميماً هندسياً، بل حاولت أن تربط بين المبنى والإنسان، وأن تجعل الشباب يكتشفون بأنفسهم أن لكل شارع ومجمع وساحة قصة تستحق أن تُروى. وقد رافق المعرض إصدار مطبوعات فنية جميلة، من بينها «نتمشى حولي» و«Hawally Bound»، تضمنت صوراً أرشيفية ورسومات ومعلومات معمارية عن المباني التي تناولتها الورش، وهي أعمال تستحق الإشادة والتقدير. ولكن، وبعد هذا التقدير المستحق، اسمحوا لي أن أرفع سقف التوقعات قليلاً. فخمس سنوات من البحث والتجوال وجمع الصور والمعلومات لا ينبغي أن تقف حصيلتها عند معرض مؤقت ومطبوعات محدودة، بل تستحق أن تكون بداية لمشروع توثيقي أوسع، يروي تاريخ هذه المباني ومصمميها وتحولاتها، ويجمع حكايات الناس الذين سكنوها أو عملوا فيها. فالمباني تحفظ ملامح المدن، أما الناس فيحفظون أرواحها، وإذا كانت المبادرة قد جعلت الشباب ينظرون إلى حولي بعين مختلفة، فإن الخطوة التالية أن يُحفظ ما اكتشفوه للأجيال القادمة. وللحديث بقية، عن الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الثقافية في تحويل مثل هذه المبادرات إلى مشاريع تحفظ ذاكرة الكويت من الضياع. وتسلمون..

 

  المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء العشرون من أكتوبر2026 (الرابط الإلكتروني).

 «نتمشى حولي».. ونقرأ ذاكرتها  -  PDF