متاهات الوهم

 

 

كنت منصتاً إلى حديث، بل جدل، بين حفيدي المراهق منير وابني أحمد عن تاريخ مصر والفراعنة، والتناقض فيما نراه بين تفاخر اخواننا المصريين بتاريخهم الفرعوني، وما ذكر في القرآن الكريم عن فرعون وكفره. وأخذ أحمد يشرح لابن أخته أنَّ فرعون هو منصب لحاكم، وأن تاريخ الفراعنة امتد الى مئات السنين قبل فرعون، الذي عاصر النبي موسى، وامتد الجدل في شعاب التاريخ إلى أن ضاق ابني ذرعاً بحفيدي، وقال «التاريخ يكتبه المنتصرون»، بمعنى آخر، روح يا منير ولا تدوخني بجدلك. وشكراً لنظام التعليم المتردي لدينا، الذي نتج عنه تشويش واضطراب فكري بفهم التاريخ والحضارة الإسلامية لدى الناشئة، لكن حديثهما ذكرني بكتاب «متاهات الوهم»، للكاتب الجدلي يوسف زيدان، الذي أحرص على قراءة أعماله. وأصفه بالجدلي لأني، وإن لا أتفق معه في الكثير مما يطرح، لكني مهتم بأسلوبه في الطرح والتطرق إلى قراءة التاريخ وتحليله بمنظور مغاير لما تعودنا على قراءته. فهو يجادل التاريخ من زاوية مختلفة، وبأسلوب يدفع القارئ الى التساؤل والبحث والقراءة أكثر. وللكاتب جرأة كبيرة بالطرح: إن أخذتها على ظاهرها غضبت، وإن أخذتها من ناحية فلسفية تعقدت، وخلوني أعطيكم مثالا. كاتبنا تطرق كثيراً إلى فتح مصر على يد عمرو بن العاص، وشكَّك كثيراً بأنه فتح عسكري بمفهومه العام، فيقول: كيف لجيش مكون من أربعة آلاف مقاتل، ومعظمهم من قبيلة عك اليمنية، التي أطلق عليها المسلمون الأوائل قبيلة الأخابثة، كونهم من أوائل القبائل التي ارتدَّت عن الإسلام بعد وفاة الرسول، يفتح مصر المسيحية، التي يحميها مئة ألف من مقاتلي الروم وأسوار الاسكندرية المنيعة؟ فكاتبنا يرى أنَّ سهولة الفتح جاءت نتاج اتفاق سري ما بين المقوقس وخليفة المسلمين، في ظل وقوف المصريين العرب مع جيش الفاتحين، وحنق الأقباط على الكنيسة الكاثوليكية في روما، لما حلَّ بهم من قتل واضطهاد ديني، جعلهم يرون الحل الأنجع بيد الفاتحين الجدد، يعني الفتح كان سياسياً أكثر مما هو عسكرياً. وعكس كاتبنا أيضاً على فتح الأندلس على يد طارق بن زياد، وقائده موسى بن نصير، فيرى أنه لم يكن فتحاً، بل كان دعوة من الكونت يوليان، حاكم سبتة المنيعة، لجيوش المسلمين لمساعدته على الانتقام من ملك أسبانيا، واعداً إياهم بالتنازل عن حصن سبتة. لكن الربع لما دخلوا الأندلس، وهزموا ملوكها، عجبهم الوضع، وقرروا البقاء مدعومين من المضطهدين، فيقارن كاتبنا بين ظروف فتح الأندلس ومصر، وبين طرد المسلمين من الأندلس، فكلاهما لا يخرجان عن الصراع الداخلي والاضطهاد والاستعانة بالغريب على الصديق. وهذا الطرح يجعلنا نتفكر الآن بما يحدث بوطننا العربي، ويا ليت الشعوب تقرأ التاريخ كما يقرأه يوسف زيدان.

والله يصلح الحال!

وتسلمون.

 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع عشر من إبريل عام ٢٠١٨ (الرابط الالكتروني)

متاهات الوهم Pdf


عدد الزائرين:

320 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr