في جولتي الأخيرة مع أسباطي في مدينة ستوكهولم السويدية بجوها البديع ونظافتها وأهلها الجيدين، جالسين في إحدى الحدائق الغناء، رجعت بالذاكرة للماضي الجميل اللي ما كنا بحاجة نصطاف فيه بالدول الأوروبية. وأخذت أدندن بصوت خافت أغنية عدنية، يا ما رددناها أيام الثانوية في أوائل هبة الكاسيتات، أيامها مو كل واحد حب يغني راح سوى له غناية ركيكة تتداولها الإذاعات والفضائيات. بل كانت هناك لجنة في وزارة الإعلام تختبر الأصوات الجديدة، ولا يسمح بالغناء في إذاعة وتلفزيون الكويت إلا لمن اجتاز اختبار الصوت. واشتهر وقتها شاب لم ينجح بلجنة الإعلام، لكنه اشتهر بالكاسيت، خصوصا بالأغاني العدنية، وكلمات الأغنية تقول:

تمنيت ولحقت تمنات قلبي … صفا لي مع باشه الغيد شربي

في وادي الحجيرات حيث التقينا … وحيث الصَّبا هب نوده علينا

سقى الله وادي الحجيرات وشعوبه … يا روم تصلح لشاجع سلوبه

والكلمات للشاعر اليمني حسين المحضار. المهم بنتي سمعتني أردد «تمنيت» وقالت لي بفكاهة: «شنو اللي تمنيته ومن وين جايب هذي الكلمات وهذا اللحن؟ تارك ستوكهولم بخضرتها وجمالها ورايح لي وادي الحجيرات، أصلا وين هذا الوادي؟» أجبتها «سؤالك بمحله». ففعلاً تمنيت أن تعود الأيام الخوالي فأصطحب أسباطي مثل ما اصطحبنا والدي وخالي من بعده، رحمهما الله، بسياحة شرق أوسطية. تمنيت آخذ السيارة وأروح البصرة ومنها لبغداد، وهما بأمن وأمان ورقي، وليس كما هما عليه الآن. وتمنيت أن أكمل الطريق إلى شمالي العراق، حيث مصيف صلاح الدين، ومنها إلى تركيا. تمنيت يا بنتي آخذ الخط من بغداد إلى سامراء ومنها إلى إيران، إلى مدينة رامسر على بحر قزوين. هذا الطريق الذي ذكرته سلكناه بالسيارة، كما سلكه الكثير من الكويتيين، وكنا نطلع الفجر من الكويت ونبيت في بغداد، ومنها إلى دمشق الفيحاء، نمر مسجد الوالد في المزة، وبعدها نمر على سوق الحميدية نشتري طاولة الزهر، ولعبة البرجيس، ونصلي بالجامع الأموي، والغداء على نبع بردى قبل جفاف منبعه، وقحل محيطه، وما أنسى مصيفي الزبداني وبلودان الجميلين، والله حسافة على الشام وأهل الشام الطيبين، والله يصلح ما بينهم.. وتمنيت تكرار زيارة فلسطين، حيث كنت حظيت بقرار خالي قيادة قافلته الصغيرة، وشد الرحال إلى القدس عام ١٩٦٦، قبل النكسة، وصلينا في المسجد الأقصى، وزرنا كنيسة القيامة ومهد المسيح في بيت لحم، تمنيت يا بنتي أن تحل قضية فلسطين ويعود الحق لأصحابه ونعود نصلي في الأقصى ونصطاف في نابلس، تمنيت أن يعم السلام والرخاء على شرق أوسطنا فهو الأجمل، وقبل هذا وذاك يا بنتي تمنيت أن يطيل الله بعمر أميرنا وولي عهده وأن يشافي الشيخ ناصر ويرده بالسلامة ويكمل ما بدأه من تطوير الجزر الكويتية ومدينة الحرير، تمنيت آخذ طرادي من المارينا ونروح فيلكا وأنزل بمنتجع خمس نجوم هناك وصدقيني.. بعدها ما راح أسافر ولا مكان.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الخميس التاسع من أغسطس عام ٢٠١٨ (الرابط الالكتروني)

تمنيتPdf

عدد الزائرين:

165 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr