حصة موسيقى

 

 

 

دأنا نسمع هذه الأيام بعض الأصوات التي تنادي بإلغاء حصة الموسيقى من المدارس، وللأسف سبق أن الغي النشاط المدرسي وضعفت المناهج، وهذا سلم لا يأخذنا الى الأدوار العليا بل الى الأدوار السفلى فقط، وترى ما بقي شي ونوصل القاع. وحتى نفهم ونقدر نقارن خلوني آخذكم معاي في تجربتي مع الموسيقى وأرجع إلى أوائل الستينات في مدرسة الفارابي. كان عندنا شي اسمه «النشاط المدرسي»، وهو نشاط حر يختاره الطالب ساعة بعد دوام المدرسة مرتين في الأسبوع، وكان هناك النشاط الرياضي والموسيقي والتمثيل والمكتبة والكشافة والرسم، هذا غير الحصص الرسمية، يعني كان عندنا حصة رسم وموسيقى ورياضة إلزامية لكل الفصل، لكن النشاط هو جمع المواهب والقدرات من جميع الفصول بشكل ينمي القدرات ويخلق تجانسا ومنافسة. كنت في الثالث ابتدائي وما أدري شنو اللي خلاني أدخل نشاط الموسيقى، وكانت عيني على الأكورديون لكن للأسف تلك الآلات وزعت على الطلبة اللي عندهم إما معرفة سابقة أو موهبة، والظاهر أنا ما عندي الاثنين فعطوني آلة المثلث اللي ما يبي لها شطارة. وكل يوم من الصبح لازم نتجمع قبل طابور الصباح حتى نعزف السلام الوطني. الصراحة ما عجبني شكلي ماسك حديدة مثلثة أطقطق فيها فقررت التهرب من النشاط. لكن الرقابة كانت صارمة على الطلبة فكان لازم ألتحق بنشاط فالتحقت بالتمثيل. وفي السنة الأخيرة التحقت بفريق الموسيقى، وكانت عيني هالمرة على العود لكن ماكو فايدة، انتهيت على نفس الآلة! فالأولوية لأصحاب المواهب فتركت والتحقت بفريق المكتبة. ومن الفارابي إلى مدرسة الفيحاء المتوسطة حيث توسع النشاط المدرسي ليشمل نادي اللغة الانكليزية والخزف والكهرباء والنجارة، أنشطة جميلة ومتعددة تصقل مواهب الطالب وتخرجه قليلًا من روتين الدراسة. وبحصة الموسيقى كان عندنا مدرس اسمه أستاذ عزازي مصري الجنسية وكان رحمه الله شعلة من النشاط، وأذكر الوزارة زودت المدرسة بدرم حديث التصنيع (طبل متعدد الاجزاء)، وفي الفرصة رجعت للفصل ومعاي صديقي رحمه الله فوزي العبدالجليل وصديقي ناصر بن ناصر، اشتغلنا على الدرم تطبل إلى أن تمزق جلده ففزعنا وهربنا من الفصل، وتركنا المسكين عزازي يندب حظه، ومع ذلك أبديت رغبتي في الالتحاق بنادي الموسيقى وأبلغته بتجاربي السابقة، وما زلت أتذكر كلامه حين قال: «انت ما عندك الموهبة ولا الأذن الموسيقية لكن يمكن لك أن تتعلم لغة الموسيقى من خلال دراسة النوتات وعزفها. ولاحظوا مدى اهتمام المدرس ورغبته في تعليم حتى من لا يملك موهبة وهذا ينطبق على معظم المدرسين في ذلك الوقت، فعطاؤهم لا حدود له وحبهم لعملهم لا سقف له، وكذلك لاحظوا حجم وجودة التجهيز للمدارس، المهم وبعد كل تلك التجارب كل اللي تعلمته وعرفته عزف السلام الوطني القديم الذي ما زلت أستمتع وأفتخر كلما رأيت بيانو أعزف هذا اللحن الخالد لأحفادي مذكراً اياهم بما كان جميلا بوطني. وأرجع إلى من يطالب بإلغاء حصة الموسيقى وأقول: التعليم منظومة متكاملة وجسد واحد لا يمكن تشويهه بهذه الطريقة. ويا ليتني أستطيع تصوير أكثر لما كان عليه التعليم بذلك الوقت مقارنةً بما نحن فيه، ولا شك ستدمع العيون.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثاني من أكتوبر ٢٠١٨ (الرابط الالكتروني)

حصة موسيقى Pdf

عدد الزائرين:

168 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr