تسامح

قد يختلف معي كثيرون حول تهنئة إخواننا المسيحيين بأعيادهم، لكن بقناعتي المتواضعة ومتمترساً وراء فتوى الأزهر الشريف بإجازة تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، فإني أرى أن المحبة والتسامح صفة المسلم الأصيلة، ونحن الآن نعيش في عالم صغير ومتشابك المصالح، وتبادل التهاني في الأعياد والمناسبات بين كل الأطراف يساهم في نشر التعايش السلمي الذي طغى عليه في الآونة الأخيرة تطرف كاد أن يحرق الأخضر واليابس. وإبداء السلام والتهنئة أراه في هذا الوقت العصيب يصب في مصلحة المسلمين. وبعيداً عن التنظير بعطيكم مثال حي.. ففي عام ١٩٥٧ قام المرحوم الوالد بشراء أرض في لبنان في بحمدون بغرض بناء جامع، وتلككت بلدية بحمدون في تسجيل العقار لكون الهدف من شرائه بناء مسجد، فوجه لهم المرحوم كتابا رسميا أقتبس منه «.. ويا للأسف حتى الآن لم تسجل لنا الأرض تشبثاً بباطل وتعنتاً غير مرضي فيه، كل هذا لأننا نريد أن نقيم هناك جامعاً يُعبد فيه إله الجميع، خالق البرايا ومنزِّل الأديان، فصارت البشرية تفرق بين دين وآخر وتتعصب وتتكتل لدينها دون أديان الآخرين، أما الإسلام فلم يتعرض ولن يتعرض للأديان الأخرى ولم يعارض لمعبد ولا لكنيسة مهما كانت ديانة أهلها. إن مشروعًا يكون بيتاً لله ويعبد به الله لا يجوز لأي كان أن يعارض أو يقاوم وجوده، ولقد صار الخلاف بينكم على قدم وساق ضد بارئكم الذي خلقكم وصوركم وأمركم أن تكونوا دعاة صالحين ومصلحين..».. هكذا خاطب المرحوم أهل الكتاب، ولما رأوا فيه من الإحسان لكنائسهم ولأيتامهم وفقرائهم دون تفرقة دين أو مذهب، هبَّ أهل بحمدون من كل أطيافهم داعمين بناء الجامع الذي ما زال وبعد ستين عاما يصدح «الله اكبر». كذلك فجامع صيدا الذي بناه المرحوم أوائل الستينات على رأس هضبة جرداء له قصة تستحق السرد. فتلك الأرض تعود إلى ثري أرمني مسيحي، وكان يفترض أن تعمر كنيسة هناك، لكن لما سمع ورأى من إحسان وتسامح المرحوم الديني، لم يرتضِ إلا أن وهب تلك الأرض للمرحوم لبناء جامع وذلك رداً على الإحسان بالإحسان، واللي أحب أقوله لو لم يقم المرحوم بالمبادرة وأحسن من دون مقابل لكنائس وأيتام اخواننا المسيحيين هناك لما قام مسيحي بالتبرع لبناء جامع. وخلوني أقول لكم تجربتي الشخصية حين قررنا بناء جامع في قرية شانيه في جبل لبنان تنفيذاً لوصية المرحوم والدي، إذ طلبنا من صندوق الزكاة اللبناني شراء الأرض وترخيص بناء جامع، وأذكر ابتسامة المدير «هذا حلم يصعب تحقيقه» فكان جوابي «ما انت خسران شي جرب». وتم شراء الأرض واستحصال الترخيص بسهولة غير معتادة. وقال لي المدير «اني رأيت اعجوبة، معاملة الجامع مرت بسلاسة لم آلفها من قبل، ولا أجد تفسيرا». فجاء التفسير يوم حفل وضع حجر الأساس برعاية معالي سفير الكويت ومفتي لبنان وممثلين عن كل الطوائف اللبنانية، حيث حرص الكثير منهم في إلقاء كلمته على تضمينها الحب والمودة للمرحوم وأبنائه ودولة الكويت. المتحدثون كانوا من الجيل الثاني والثالث ومن كل الطوائف اللبنانية والذين ما زالوا يحملون بذاكرتهم أسطورة العمل الخيري الوسطي للمرحوم عبدالله العثمان، وبهذه المناسبة اتمنى من الله ان يكون العام الجديد عام خير وبركة واحسان لاهل الكويت ولكل شعوب الارض وان يديم الله على اميرنا وولي عهدنا الصحة والعافية وطول العمر.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الخامس والعشرين من ديسمبر ٢٠١٨ (الرابط الالكتروني)

تسامح Pdf


عدد الزائرين:

140 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr