حيازة مرة ثانية

 

موضوع الحيازات الزراعية، وكذلك تراخيص التشوين التي تمنحها البلدية للمقاولين أثناء تنفيذهم للمشاريع، التي عادة ما تكون للدولة، قد أخذت للأسف منحى آخر، وربما باتت وسيلة للاستيلاء على أملاك الدولة. وقد سبق لي في مقال بعنوان «حيازة» أن سولفت لكم عن قصة صاحبي اللي تعدوا على عقارات والده الوقفية، وبيوم وليلة سوروا الأرض وأجروها، وعندما اشتكى بدل أن تخالف البلدية المعتدي قامت وخالفت الشاكي، وعطته مهلة أسبوعا يزيل المخالفة وإلا الويل ويله. وبنفس الوقت اكتشف أن نفس الجماعة مزورون كتابا، ومن خلاله حصلوا على رخصة تشوين على أرض مساحتها تفوق نصف المليون متر، وأقاموا عليها منشآت ضخمة وأجروها بملايين الدنانير سنوياً. وكون هذه الأرض نملة مو فيل عجزت البلدية عن ملاحظتها! والعجيب الترخيص صدر باسم شخص متوفى. وكنت نصحته بعدة إجراءات احترازية.

وكلنا قرأنا بالصحف ما دار في هذا الموضوع مع إحالة عدد من موظفي البلدية الى النيابة، والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه: شنو صار على الأرض نفسها؟ هل قامت البلدية بإزالة المخالفات وأعادت الأرض للدولة؟ السؤال وجهته لصاحبي وأجاب: «لا، الظاهر البلدية تورطت بالأرض ولم تستطع إخلاء المستأجرين اللي بدورهم لجأوا الى القضاء وقاموا بدفع الإيجار في المحكمة». وحسب كلامه، والله أعلم، فإن أملاك الدولة رفضت استلام مسؤولية الأرض من البلدية، لأنها أولاً من الأراضي المخصصة للزراعة واستغلالها الآن تجاري، وعدا ذلك فالمنشآت القائمة مخالفة لقوانين البناء وبلا أي ترخيص. وسألت صاحبي: «ليش البلدية ما ترفع قضية وتطبق الغرامات الخيالية عليهم مع الإزالة، حسب ما جاء بقانونها؟»ـ فضحك وقال: «لهذا السبب أشكرك، فلولا نصيحتك لكنا نحن الورثة المتورطين بتلك الغرامات، فلهذا تم ترخيص تلك الأرض لهؤلاء باسم متوفى، والآن الأرض باتت بلا مالك أو مسؤول توريه البلدية نجوم الظهر». شخصياً أعتقد أن البلدية لا يمكن لها أن تفعل الكثير، فقانون الإيجارات قد غل يدها، وتحتاج سنوات من الإجراءات القانونية والإخلاء الإداري، والجماعة المستأجرون مرتاحون يدفعون إيجاراً بسيطاً، ويصير خير بعدين. ويقول صاحبي ان بعض المستأجرين هناك شركات أصحابها عروقهم في الماء كما يقال.

وهذا الأمر سبق أن تكلمت عنه في سلسلة مقالات «مخاطر عقارية»، وكذلك يذكرني بمقولة قالها لي صديقنا عبد الرحمن النمش، الأمين العام لهيئة مكافحة الفساد، والتي يرى من خلالها أن من أهم أدوات مكافحة الفساد مراجعة التشريعات واللوائح التنفيذية. وأوجه تحية له وأقول له قانون الإيجار قد يكون نموذجاً جيداً للمراجعة. ولعزيزنا بوعبد الله المدير العام للبلدية، الله يعينك على هذي الارض، وترى ما هي دمل هذي ورم سرطاني والعياذ بالله، وواجبك استئصاله وإعادة أراضي الدولة لها.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثاني عشر من فبراير ٢٠١٩ (الرابط الالكتروني)

حيازة مرة ثانية Pdf

عدد الزائرين:

198 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr