أحدب نوتردام

شهدنا الحريق الذي أتى على جزء كبير من كاتدرائية نوتردام في باريس، الكنيسة التي تعتبر من الآثار الجميلة التي يقصدها الملايين من السياح سنوياً. وتعود معرفتي بها مذ كان عمري لا يتجاوز الثانية عشرة، وليس بزيارة لها أكيد؛ ففي ذاك التاريخ كان الكويتيون مصيفهم المفضل لبنان وسوريا، ومصر. أما باريس وأوروبا بشكل عام، فكانتا بعيدتَي المنال.. ولكن، ليس على الذي يقرأ، فالكتاب يحلّق بك في عالم بلا حدود. فمن مكتبة في وسط حمانا في لبنان اقتنيت رواية «أحدب نوتردام» للكاتب فيكتور هوغو، ومكتبات لبنان تزخر بتراجم الأدب العالمي وما زالت، ووجدتني في ليالي حمانا الطويلة أحلّق في أزقة وشوارع باريس. ودارت الأيام وابتعثت من قبل وزارة النفط إلى دورة في معهد البترول الفرنسي، وذلك عام 1981. وثاني يوم من وصولي توجّهت إلى كنيسة نوتردام والحي اللاتيني الجميل، متتبعاً خطوات خيال ما قرأت، وتواصلت زياراتي لها برفقة أبنائي ومن ثم أحفادي الذين تهمهم «ديزني لاند» أكثر من أحجار رصت من مئات السنين، وها هي احترقت نوتردام وبلحظات أطل علينا من ينتقد تعاطف الناس مع هذا الحدث، وتم تداول «سنابات» تذكر الناس بما حل بآثار ومتاحف العراق وتدمير مدينة تدمر التاريخية، وما حل بلبنان وفلسطين، وتقول «محد زعل على هذا التدمير علشان نزعل على حرق أثر في فرنسا». وكملها علينا تصريحات حاخام إسرائيلي متشدد فرنسي المولد يتشمّت، ويقول هذا عقاب من الرب، يعني شغلة يصعب على عاقل تقبلها، وهذا هو التطرّف بعينه وعلمه. فكلنا حزنا على ما حل بالعراق وسوريا، وكلنا تألمنا لحرق اليهود المسجد الأقصى ومحاولتهم الدؤوبة لتدمير التراث الإسلامي وكذلك المسيحي في فلسطين المحتلة بحجج تاريخية واهية. واللي أحاول أقوله إن صفات وأخلاق المسلم تمنعه عن الشماتة والفرح بنكبات الآخرين. والشماتة والفرح بمصائب الآخر لن يُعيدا ما خسرناه، ولا يعفياننا من العمل الجاد لإرجاع ما دُمّر وما فُقد. فها هي بعد ساعات من الحريق بدأت العائلات الثرية هناك بالتبرّع السخي لإعادة بناء ما دمر وسيلحق بهم معظم الفرنسيين، وأسأل: ماذا عملنا كعرب ومسلمين لاستعادة ما دمر من تراثنا؟ أعتقد لا شيء، وراح نشوف كيف سيعاد بناء وترميم تلك الكاتدرائية والفترة الزمنية التي ستأخذها ونقارنها بمنارة مسجد النوري في الموصل التي فجرها «الدواعش»، وذلك فقط كمثال، فتعتقدون منو اللي راح يسبق؟ 

وتسلمون. 

* * * بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، أغتنم هذه الفرصة لرفع أجمل التهاني والتبريكات إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير البلاد المعظم، وولي عهده الأمين، وإلى أهل الكويت الطيبين، ولكل من يشاركنا حياتنا في هذا الوطن العزيز. 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء في الثلاثين من أبريل ٢٠١٩ (الرابط الالكتروني)

أحدب نوتردام Pdf

عدد الزائرين:

282 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr