الثقافة أو العلامة

 

 

 

 

في أحد الكافيهات قبل صلاة الجمعة، برفقة حفيدي عبدالله العائد للمدرسة بعد عطلة طويلة، سألني عن آخر مقال كتبته وموضوع المقال القادم، فقلت «ما أدري للحين ما فكرت بشي»، فجاء رده صاعقاً مثيراً نقطة تستحق الكتابة عنها. فتحدث عن الطلبة في المدرسة، وكيف أن همهم الوحيد نيل العلامة العالية لا اكتساب الثقافة، حتى أن أسئلتهم التي يوجهونها للمدرسين تدور حول «شلون انجح؟»، و«شلون اجيب علامات؟»، ولا وجود لحوار ثقافي ما بين الطلبة والمدرس. الصراحة أدهشتني تلك الملاحظة، وتيقنت أن من يزرع يحصد، فاهتمام والديه بالقراءة والثقافة غرس به هذا الفكر النير. فالثقافة بشكلها العام هي من وجهين: الموروث المجتمعي من عادات وتقاليد وقيم وتراث أدبي. أما الوجه الآخر، فهو المعرفة المكتسبة من علوم عقلية وإنسانية وفنون وآداب أشمل ينالها الطالب في سني دراسته، إلا إن كان جل همه الحفظ لأجل النجاح، فحينها سيكون اكتسابه الثقافي مؤقتاً وسريع الزوال. هذا التوجه في التعلم لا يكفي لخلق مفكرين، وهنا مكمن السؤال الذي طرحه حفيدي. وما يزيد من فداحة الأمر هو هذا التغريب الذي نعيشه مع ضياع اللغة العربية نتيجة ضعف أسس التعليم في المدارس الحكومية، وانعدامها في ما يخص منهجي اللغة والدين لدى المدارس الأجنبية. ولا ننسى ضعف الأداء الحكومي في التشجيع على الثقافة مقابل القطاع الخاص، الذي همه الأول جني الدينار. واللي يحب يقارن يشوف مستوى أداء المسرح الكويتي حقبة الستينات والسبعينات مقارنة بالآن، مستوى الشعر والنثر والكتابة مقارنة بالآن، أسلوب التخاطب والتعامل بين السابقين والمعاصرين من أهل الكويت، وسيجد الجواب واضحا وصريحا. وما يزيد الطين بلة غياب الوالدين وانشغالنا بمشاغل الحياة، وعيالنا تحت رحمة العاملات في المنزل، واكتسابهم لا شعورياً لثقافتهن وقيمهن الغريبة، ومن دون أن ندري ونحس فيهم نلاقي أولادنا متشبعين لغوياً وفكرياً وأيديولوجياً بالكثير من الغرائب التي ستنعكس على تصرفاتهم وحياتهم في المستقبل. لكن علينا أن نتكاتف جميعاً ونوقف سيل التغريب هذا وننتشل أبناءنا من الضياع، فالكثير تكلم عن تلك المشكلة إلا أن المعظم يكتفي بالتنظير من ثم يخلد الى نومه، وكأنما دوره انتهى والحكومة وحسب من تقع عليها مسؤولية الحل، لكني أرى أنها مسؤولية المجتمع أولاً وعلى الكل أن يساهم بقدر استطاعته. بدورنا كعائلة العثمان فقد قمنا من خلال ثلث والدنا بدعم دورات تحفيظ القرآن ودورات الخط العربي والبرامج الثقافية من خلال دار العثمان ومركز البروميناد الثقافي، وأخيراً مع افتتاح معهد متحف بيت العثمان، الذي يعنى بالخط العربي وركائز اللغة العربية، بالتوازي مع إعداد الدورات والأنشطة الموجهة للأطفال والناشئة. ونصيحة لكل أم وأب أن يساهما في غرس ثقافة القراءة والاطلاع لدى أطفالهما بداية مع قصة ما قبل النوم. 

وتسلمون. 

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع عشر من سبتمبر ٢٠١٩ (الرابط الالكتروني)

الثقافة أو العلامة Pdf

 

 

عدد الزائرين:

111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr