من أرض الأندلس (٢)

WhatsApp Image 2020 03 03 at 83258 AM

تكلمت في المقال السابق عن بداية رحلتي الثقافية مع أسباطي وعن محطتي الأولى في الأندلس من مدينة مالقة، واليوم بتكلم عن مدينة المعتمد بن عبّاد الذي اهتم كثيراً بالشعر، وكان يقضي الكثير من وقته بمجالسة الشعراء، فظهر في عهده شعراء معروفون مثل صديقه المقرب أبوبكر بن عمار الذي اضحى كبير الوزراء وانتهى بضربه من فاس ابن عباد يوم عصب عليه، وكذلك الشاعر ابن زيدون صاحب ولادة بنت المستكفي وسالفتها معاه، التي تسببت بهربه من قرطبة الى اشبيلية فاضحى هناك وزيرا لابن عباد. وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، فعُمِّرت وشيدت. وفي خلال فترة حكمه حاول ملك قشتالة مهاجمة مملكته، فاستعان بحاكم المرابطين يوسف بن تاشفين، وبعدها صاحبنا بن تاشفين انقلب عليه فحاصر إشبيلية، وتمكَّن من الاستيلاء عليها وأسر المعتمد، ونفاه إلى مدينة أغمات في المغرب، حيث توفّي أسيراً ذليلًا، مع العلم بأن ابن عباد هذا استلم الحكم بعد والده عندما كان في الثلاثين من عمره، ثم وسَّع ملكه فاستولى على بلنسية ومرسية وقرطبة، وأصبح من أقوى ملوك الطوائف، ولكن صاحبنا وكبقية هؤلاء الملوك ما عرف يكمل فدخل باللهو والمجون والبذخ والتآمر مع الأجنبي ضد أبناء جلدته ودينه تارةً، ومع الغريب تارةً أخرى، المهم إشبيلية أو سيفيليا كما هو اسمها الآن مدينة جداً جميلة وتستحق الزيارة، ولكن حارة بالصيف فدرجة الحرارة تصل الى ٤٥ درجة، وصدفت زيارتنا مع احتفالات الربيع هناك، حيث يقام استعراض لعربات الخيول وارتداء للأزياء التقليدية ورقص «السفيلانا»، وهي رقصة شعبية تأثرت بشكل كبير برقصة الفلامنكو الشهيرة. وصراحةً المنظر جميل جداً بهذه الاحتفالات الراقية التي تعكس ثقافة المدينة وسكانها، فما شفنا مثل اللي يحصل عندنا من مسيرات مزعجة ولا بالونات الماء تتحدف علينا، المهم توجهنا بعدها إلى المسجد بالقصبة، وعليه تقوم اليوم كاتدرائية، فعند سـقوط إشبيلية تحول المسجد إلى كنيسة، وظـل قائماً على تلك الحال إلى أن أصاب إشبيلية زلزال تهدم على اثره جزء من الجامع، وتم بناء الكاتدرائية مع المحافظة على المنارة وبعض أجزائه واهمها المحراب بعد تحويره بما يتناسب مع العمارة الكاثوليكية، المهم ثلاثة أمور أود الحديث عنها وأبدأها بقصة محراب الجامع الذي ما زال قائماً، فالمرشد السياحي أشار لنا إلى عدة نقاطٍ مهمة، فالمحراب عندما بُني الجامع لم يكن باتجاه القبلة ولكن باتجاه مراكش، وفعلاً حطيت البوصلة وكلامه طلع صحيح وحاولت أن أبحث عن هذا الأمر فلم أجد ما يفيد، والشغلة الثانية قبل دخولنا قصر المعتمد مررنا بحي اليهود وأخذ المرشد يسرد لنا ما آل له اليهود من تنصير ومن ثم طرد من الأندلس، وسألته سؤالا: هل اليهود موجودون في أسبانيا قبل دخول المسلمين أو مع المسلمين؟ فأجاب بأنهم كانوا معنا قبل المسلمين، وكان المسلمون الأكثر تسامحاً معهم واندماجاً تجارياً وثقافياً وسياسياً أيضاً، ولكنهم تحالفوا مع الملك فرناندو ومع ذلك أمر بتنصيرهم وفرض عليهم اكل الخنزير وبعدها طردهم من أسبانيا، فسبحان الله هؤلاء القوم الخيانة بدمهم وما يتعلمون من التاريخ فما فعلوه بالمدينة من خيانة أعادوا فعله في إشبيلية، والأمر الأخير كان عند وقوفي أمام نصب في حديقة القصر كتب عليه اسم المعتمد بن عباد، واستذكرت أبيات شعره التي نعى بها نفسه وهو في أسره، وطلب ان توضع على قبره وكان له هذا بعهد الملك الحسن الثاني كما قيل، فلم أجد بداً إلا مشاركة القارئ الكريم بأجزاء منها لِما تحمله من معان وعبر وأحاسيس.

وتسلمون.

«قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي

حَقّاً ظَفَرتَ بِأَشلاءِ ابن عَبّادِ

بِالحِلمِ بالعِلمِ بِالنُعمى إِذِ اِتّصلَت

بِالخَصبِ إِن أَجدَبوا بالرّي لِلصادي

بالطاعِن الضارِب الرامي إِذا اقتَتَلوا

بِالمَوتِ أَحمَرَ بالضرغمِ العادي

نَعَم هُوَ الحَقُّ وَافاني بِهِ قَدَرٌ

مِنَ السَماءِ فَوافاني لِميعادِ

وَلَم أَكُن قَبلَ ذاكَ النَعشِ أَعلَمُهُ

أَنَّ الجِبال تَهادى فَوقَ أَعوادِ

كَفاكَ فارفُق بِما استودِعتَ مِن كَرَمٍ

رَوّاكَ كُلُّ قَطوب البَرق رَعّادِ

يَبكي أَخاهُ الَّذي غَيَّبتَ وابِلَهُ

تَحتَ الصَفيحِ بِدَمعٍ رائِح غادي

حَتّى يَجودَكَ دَمعُ الطَلّ مُنهَمِراً

مِن أَعيُن الزَهرِ لم تَبخَل بِإِسعادِ

وَلا تَزالُ صَلاةُ اللَهِ دائِمَة

عَلى دَفينكَ لا تُحصى بِتعدادِ».

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الخامس والعشرون من مايو 2022 (الرابط الإلكتروني)

من أرض الأندلس (٢) PDF

موقع دار العثمان

عدد الزائرين:

126 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr