«رُندة».. من أرض الأندلس (3)

WhatsApp Image 2020 03 03 at 83258 AM

في جولتي الثالثة من رحلتي إلى أرض الأندلس، وجدت فيها فرصةً كبيرة للعبور إلى جبل طارق، كونه فقط مسيرة ساعة ونصف الساعة من مالقة، هذا الجبل، وكما يقول المثل الكويتي «مثل بيض الصعو ينطرى وما ينشاف»، وحق اللي ما يعرف الصعو فهو نوع من الطيور يضرب ببيضه المثل، فيقال عن الشيء الذي يذكر ولا يُرى، وكنت أعتقد كل هذه المدة أن تلك الصخرة تقع في جزيرة، ليتضح لي أنها على لسان بري ممتد من الأراضي الأسبانية، ولكنها تحت حكم الإنكليز، يعني علشان نروح هناك نحتاج جوازات وفيز بريطانيا، وفعلاً هو مكان يستحق الزيارة، وكان هناك سؤال مستحق من حفيدي عثمان، ألا وهو ليش تلك الصخرة الأسبانية تتبع بريطانيا؟ وشرحت له أن هذا من متبقيات الاستعمار، ورد عليّ: ليش الأسبان ما ياخذونها منهم؟ فرديت عليه: خلِّ أول الأسبان يرجعون مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين بالساحل المغربي، وبعدين يطالبون الإنكليز بالخروج من جبل طارق، طبعاً استغرب وجود تلك المدينتين تحت الاستعمار الأسباني، وقلت له: لو عندنا وقت يوم إضافي كان وديتك لسبتة كونها فقط ساعتين بالعبّارة، المهم وصلنا الحدود، وهو مركز حدودي الناس يعبرونه مشياً، ويقضون يومهم هناك، ولما وصلنا اتضح لي أن أسباطي جوازاتهم جديدة وفيزا بريطانيا بجوازاتهم القديمة اللي ما جبناها معانا، وطبعاً ما قدرنا ندخل، وكان هذا إحباطاً كبيراً، ولكن الخطة «ب» موجودة فحوّلنا الرحلة إلى أحد معاقل ما تبقى من المسلمين بعد سقوط غرناطة مدينة جبلية جميلة أطلق عليها المسلمون اسم «رُندة»، ولها تاريخ لا يقل حزناً عن بقية مدن الأندلس وما آلت إليه، نتيجة تفكك الدولة وتحوّلها إلى طوائف يحكمها ملوك لا يستحقون ما أنعم الله عليهم من نعم، فأضاعوا الدين والدنيا، ورُندة تلك شهدت نهاية من أطلق عليهم اسم «الموريسكيين»، ومعظمهم من أبناء من أسلم من الأسبان، وكذلك من أطلق عليهم «المولدون»، وهم نتاج تزاوج العرب والبربر مع الأسبان، وهؤلاء المساكين فرض عليهم التنصر فاعتنقوا المسيحية بالعلن وحافظوا على دينهم سراً، وقد فرض عليهم وضع هلال أزرق فوق عمائمهم وتحت طائلة السخرية والاضطهاد من قبل المتعصبين الكاثوليك، فذلك القمع الممنهج دفعهم للجوء إلى المرتفعات والمناطق الجبلية، وأهمها رُندة، والتاريخ يذكر ثورة الموريسكيين هناك ومجازر الإبادة التي تعرضوا لها لتطوى بها صفحة آخر من تبقى من مسلمي الاندلس، والمهم رُندة مدينة باردة، وجوها عليل ومُلهم، ومناخها ذكرني بجو بحمدون الضيعة في جبل لبنان، فهناك كتب إرنست همنغواي روايته «لمن تقرع الأجراس» وروايته «ثم تشرق الشمس»، وما يميز رُندة تلك الجسور التي تربط شقي المدينة، والتي يفصلها أخدود عميق وعجيب بُنيت فوقه ثلاثة جسور تعتبر من أشهر المعالم، وهي: الجسر الروماني، وفوقه بني الجسر العربي، وفوقهما الجسر الأسباني، وهناك أيضاً الجامع القديم الذي حوِّل إلى كنيسة، ومحرابه ما زال قائماً داخلها، وللعلم تلك المدينة يرتادها محبو المشي في الطبيعة hiking، ورُندة خلال الحكم الإسلامي ازدهرت ازدهاراً كبيراً علمياً وثقافياً، وكان منها العالم الكبير عباس بن فرناس، وإليها يُنسب الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي صاحب القصيدة الخالدة «مرثية الأندلس»، والتي يقول في مطلعها:

«لكلِ شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغَرّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهدتُها دولٌ

من سرّهُ زمن ساءتهُ أزمانُ

وهذه الدارُ لا تبقي على أحدٍ

ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ

وينتضي كل سيفٍ للفناء ولو

كان ابن ذي يزن والغمد غمدانُ

أين الملوكُ ذوو التيجان من يمنٍ

وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ

وأين ما حازهُ قارون من ذهبٍ

وأين شدادٌ وقحطانُ

أتى على الكل أمرٌ لا مردّ لهُ

حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من مُلكٍ ومن مَلكٍ

كما حكى عن خيال الطيفِ وسنانُ

فجائع الدهر أنواعٌ منوعةٌ

وللزمان مسراتٌ وأحزانُ

وللحوادث سلوانٌ يهوّنُها

وما لما حَلَّ بالإسلام سلوانُ

ونكمل في المقال القادم سالفة سلطان غرناطة، الذي برعونته وضع المسمار الأخير في نعش حكم المسلمين في الأندلس.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الواحد والثلاثون من مايو 2022 (الرابط الإلكتروني)

«رُندة».. من أرض الأندلس (3)  PDF

موقع دار العثمان

عدد الزائرين:

33 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr