«زفرة العربي» في غرناطة

WhatsApp Image 2020 03 03 at 83258 AM

في الجولة ما قبل الأخيرة لرحلتي مع أسباطي إلى ممالك الأندلس، قصدنا مدينة غرناطة الجميلة، التي تبعد عن مالقة ما يقارب الساعة ونصف الساعة، ويحتاج الأمر إلى ما يقارب الأربع ساعات لتغطية جزء من المدينة القديمة وقصر الحمراء بجزأيه، لأن ربعنا سلاطين غرناطة عندهم قصر للحكم وفوقه قصر للوناسة يرتفع عن الأول ومرتبط به بنفق خاص بالسلطان وحرسه، وطبعاً مع مرشد سياحي جيد وتذاكر مشتراة مسبقاً يمكن تجاوز كل طوابير الانتظار، مع الملاحظة أن شراء التذكرة مرتبطٌ برقم الجواز وذلك بقصد القضاء على السوق السوداء ووسطاء تجارة تذاكر الدخول، وعلشان تكون الرحلة مفيدة ومفهومة تجب قراءة تاريخ تلك المملكة من نشأتها إلى سقوطها، لأن أطلال مملكة غرناطة وما نزوره من قصور أو ما تبقى منها من دون ذلك التاريخ فما له قيمة، المهم من ملاحظاتي على قصر الحمراء نظام الري والصرف الصحي المتقدم، الذي يُعتبر من العلم المتطور، ويقول مرشدنا: قصبة الحمراء وقصرها ومحيطها تقع على مرتفع ويُجلب الماء من النهر بطريقة ديناميكية ذاتية الحركة، فنجد حركة المياه بكل اتجاه للسواقي والنوافير والبرك والجداول وأيضاً داخل القصر والمنازل المحيطة، والصرف الصحي وكما أفاد مرشدنا في الوقت الذي كل منزل مُسلم ينعم بالمياه والمراحيض، كان الفرنجة يقضون حاجاتهم في الشوارع، وأتكلم عن هذا الأمر لإيصال صورة مدى التقدم والعلم الذي عاشه المسلمون هناك، وطبعاً في المقابل عندما تمر على أطلال قصور السلاطين أيضاً يتراءى لك مدى البذخ والفساد والمؤامرات التي عاشها معظم هؤلاء السلاطين وأتكلم عن المتأخر منهم، والربط التاريخي مع الوقائع والمواقع مهم جداً، فآخر سلاطين غرناطة -كما أطلق عليه- أبو عبدالله الصغير ووالدته عائشة الحرة، وهي ابنة ملك غرناطة محمد العاشر، تملك ثروة ومكانة كبيرة، وتعد من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الأندلس، وبغض النظر عما كُتب ونُسب لها من بطولات، فأنا أعتقد بأنها هي من كانت السبب الرئيسي بزوال حكم المسلمين، فصراعها مع ضرتها النصرانية، التي وقع زوجها السلطان أبو الحسن بغرامها، ونتج عنه قيام السلطان بسجنها هي وولديها واستطاعت بدهائها ونفوذها بالهروب، وتأليب المجتمع الغرناطي ضد زوجها، وقاد ابنها ثورة ضد أبيه وعزله وعيّن نفسه سلطانا، وهو فقط في العشرين من عمره، ولذا لقب بالصغير، وهذا السلطان وكما يقال بعاميتنا «سكانة أمه» يعني تحركه بالاتجاه الذي تراه، وأراد اثبات وجوده فهاجم بعض ثقور قشتالة ووقع أسيراً، وعلشان يفك نفسه وقّع اتفاقية سرية مع ملك قشتالة ووضع غرناطة تحت وصايتهم ورجع سلطانا بلا سلطنة، وبعد سقوط مالقة سُلِّمت غرناطة للفرنجة بلا قتال، وإن كان بعد حصار طويل، وأهم شي صاحبنا مع أمه وحاشيته وماله وعتاده خرج مكرَّماً من قبل الفرنجة للخدمات الجليلة التي قدمها لهم من قلة فهمه وإدراكه، وترك المسلمين هناك لمصير دموي لم يشهد له التاريخ مثيلا، المهم وعلشان ما أطول عليكم، وإن اختلفت الروايات، فعند خروجه نظر نظرة أخيرة لغرناطة سُميت «زفرة العربي الأخيرة»، ويقال إنه وهو ينظر للقصر ويبكي، صاحت به أمه، عائشة الحرة، وقالت له «ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال»، مسكين هذا الصغير، حتى وهو مطرود ما خلص من «حنة وتحلطم أمه». وأعتقد أن النهاية و«زفرة العربي الأخيرة» بدأت عندما انقلب الابن على أبيه وقاتل عمه وتتبع تنافس ابنة الملوك مع جارية الملوك، وأعتقد هنا الحكمة والموعظة، وبكل الأحوال غرناطة وقصر الحمراء يستحقان الزيارة، مع ملاحظة ان جل النقوشات على جدران هذا القصر ما هي الا قصائد لكبار شعراء الاندلس، ومن اجمل هذه النقوش قصيده الشاعر لسان الدين محمد بن الخطيب، ورائعته التي نذكر منها:

جادك الغيـث إذا الغيـث همـى   يـا زمـان الوصـل بالأنـدلـس

لـم يكـن وصـلـك إلا حلـمـاً   في الكرى أو خلسـة المختلـس

إذ يقـود الدهـر أشتـات المنـى   ننقـل الخطـو علـى ما تـرسـم

زمـرا بـيـن فُــرادى وثـنـا مثلمـا   يدعـو الحجيـج الموسـم

والحيا قد جلـل الـروض سنـا   فثغـور الزهـر فـيـه تبـسـم

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء السابع من يونيو 2022 (الرابط الإلكتروني)

«زفرة العربي» في غرناطة PDF

موقع دار العثمان

عدد الزائرين:

164 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr