«ثواب الفاتحين»

WhatsApp Image 2020 03 03 at 83258 AM

في المقالات الأربع السابقة حاولت إشراك القارئ الكريم معي برحلةٍ إلى مدن الأندلس قضيتها مع أسباطي، رحلة مقتضبة ومزدحمة بالأماكن والسرد التاريخي، فجميعنا ومن نعومة أظفارنا نسمع عن الأندلس قصصا وروايات وبطولات وحسرة على ما ضاع منا، وكأنه كان لنا، وأرجو محد يزعل من تحليلي هذا، فسيناريو فتح الأندلس لا يختلف كثيراً عن سقوطها، إذ إن الأول كان نتيجة تآمر حاكم سبتة يوليان على الملك لذريق الذي اغتصب ابنته التي كانت تعيش في بلاطه، فقرر الانتقام من الملك بمساعدة المسلمين على غزو أيبيريا، وخروجهم أيضاً نتيجة الاقتتال والتآمر مع ملوك الفرنجة كما تحدثنا عنه في مقالاتنا السابقة، المهم هنا بتكلم عن آخر محطة من رحلتي في أرض الأندلس وهي مدينة توليدو أو طليطلة، وتتطلب تلك المحطة الوقوف في مدريد وطبعاً مدريد معناها كرة القدم وأنا وأحفادي من مشجعي أتلتيكو مدريد الخصم العنيد لنادي ريال مدريد، طبعاً كانت لنا زيارة لملعب wanda الجميل، والذي يفتح أياما محددة لجولات سياحية داخل أجنحته، وهو الملعب الرسمي لنادي أتلتيكو مدريد الاسباني، وصار له تقريباً خمس سنوات، وما راح أتكلم عن جماله ولكن بتكلم عن نظافته، فكل المقاعد جلدية وما هي من البلاستيك وما تلاقي فيه قطع ولا تشخبط، والممرات تلمع لا قراطيس ولا مخلفات «البنك والنقل» وتحسفت على ملاعبنا وعلى جمهورنا، فهم أكثر ناس يسافرون ويدرسون بالخارج، ولكن بعضهم ما منهم فايدة للأسف ولا استفادوا شي، وما هي إلّا شغلتين: الثقافة وهيبة القانون اللي ضايعة في هذه الديرة، وبرجع إلى طليطلة عاصمة الفاتحين من بني أميّة والتي سقطت بيد طارق بن زياد، وبنتيجتها دَبّ الخلاف بينه وبين موسى بن نصير، وإن أكثر ما عرف عن تلك المدينة هو التعايش الديني بين الأديان الثلاثة لقرون عدة، وانتهاء ذلك بعد سقوط غرناطة وقرار ملك قشتالة بأحادية الدين بل المذهب، فلا مكان لغير الكاثوليكي وأخذوا بالتنصير، وبعدها رهبانهم شافوا ماكو فايدة والجماعة صعب يتنصرون فأضحى القتل والتهجير، وبرجع إلى الفاتحين طارق بن زياد وموسى بن نصير والخليفة الأموي، ويقال إن ما غنمه طارق من كنوز كنائس طليطلة، مائدة من الذهب والأحجار الكريمة تعاقب على تزيينها والإضافة عليها العديد من ملوك القوط، ومن جمالها وندرتها، كما يُروى، ظن بعض المسلمين أنها من عهد النبي سليمان، المهم تلك الطاولة وما كان من كنوز بتلك الكنائس غير الجواري والعبيد سيقوا إلى الخليفة المأمون مع طارق بن زياد وصاحبه موسى بن نصير بناءً على طلب الخليفة، وكانت مكافأة الفاتحين اغتيال ابنه عبدالعزيز بن موسى بن نصير من قادة فاتحي الأندلس، ثم حُمل رأسه إلى الخليفة سليمان بن عبدالملك، فعرضها على والده قائلا «أتعرف هذا؟» فقال موسى «نعم أعرفه صوّاما قوّاما، فعليه لعنة الله إن كان الذي قتله خيرا منه»، كما جاء بالروايات وان اختلفت، المهم تم عزل كلا الفاتحين، ويُشير البعض إلى أنَّ طارق بن زياد عاش فقيراً مُعدماً، وقيل إنَّه شوهد في آخر أيامه يتسوّل أمام المسجد، ذلك الخليفة كان يتوعد كلًّا منهما بالقصاص لأنهما رفضا الامتثال لأمره والانتظار في فلسطين لحين وفاة الخليفة الذي كان يحتضر، وتشير الروايات إلى أن سليمان كان يريد أن ينسب الفتح والغنائم لنفسه، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما السبب بانتشار الإسلام في بلاد مصر وأفريقية وفارس والهند وأندونيسيا وبقائه أمام انتشاره في الأندلس وانتهائه؟ وسؤال ثان: الخليفة عمر بن الخطاب دخل القدس وأعطى الامان للمسيحيين وكنائسهم وصلبانهم وكنوزهم، فهل ما قام به الفاتحون مابعد الخلافة الراشدة يتماشى مع تعليمات الإسلام وروحه؟، وأترك الجواب لكم.

وخير ما أختم به تلك السلسلة ما خطه من رثاء الشاعر الأندلسي ابن خفاجة:

عاثت بساحتك العِدا يا دار

ومحا محاسنك البلى والنار

فإذا تردد في جنابك ناظر

طال اعتبار فيك واستعبار

أرض تقاذفت الخطوب بأهلها

وتمخضت بخرابها الأقدار

كتبت يدُ الحدثان في عرصاتها

لا أنتِ أنت ولا الديار ديار

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الرابع عشر من يونيو 2022 (الرابط الإلكتروني)

«ثواب الفاتحين»  PDF

موقع دار العثمان

عدد الزائرين:

156 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr