بنوك الجنطة

essay image

تعاملتُ مع المصارفِ كموظفٍ وكعميل منذ عام ١٩٨١، وخلال تلك الفترة عاصرت أياماً خضراً وأُخر عجافا، صعودا ورواجا وأزمات وإفلاسات وفي كثيرٍ من الأحيان أستذكرها وأستذكر رجالها وزمانها وكأني أرى فيلماً سينمائياً قديماً يمرُّ أمام ناظري، وأُدوِّن الأحداث ومن دونِ تحفظٍ أو قطع رقيب كونها مذكرات شخصية حتى لا أنسى وتضيع أحداثها بدهاليز العمر، والمهم وعلشان نغيّر ونبتعد عن أخبار المجلس والحكومة خلوني أقول لكم هذي القصة عن فضائح البنوك العالمية ونقارن شوي مع بنوكنا ونظامنا المصرفي المتميز، وعلشان نقول الحمدلله لدينا ما نتفوق به على الغرب، فالبنوك المركزية في العالم المتقدم أدوشتنا بالضوابط والسياسات وإدارة المخاطر ومتابعة ومحاصرة غاسلي الأموال وتمويل الإرهاب والمخدرات، ولكن الواحد يستغرب مع كل تلك الضوابط كيف لبنوكٍ عريقةٍ أن تدخل نفسها بمشاكل قانونية مرتبطة بمثل تلك المخالفات الجسيمة! وآخر تلك الفضائح ما حلَّ ويحصل الآن مع ثاني أكبر بنك في سويسرا والذي فقد أكثر من ٪٥٥ من قيمته السوقية بسقوطٍ حرٍ كما يُقال وما زال يترنح، وهذا المصرف حاول وبكل قدرته الإعلامية تصوير الوضع بأن مشاكله تكمُنُ في الجناح الاستثماري، وأن قاعدته المصرفية وقطاع الخدمات الخاصة صلبةٌ وبعيدةٌ عن تلك الفضائح، ولكن ما فاجأتنا به الصُّحف قبل أيام هو قيام هذا المصرف بتسويةٍ مع القضاء الفرنسي بمبلغٍ يُقارب ٢٣٨ مليون دولار نتيجة قيامه بفتح حسابات لعملاء فرنسيين يلتقي بهم في المقاهي والفنادق الفخمة بعيداً عن النظام المصرفي والقانون المحليّ، والتي ساعدت هؤلاء العملاء والبالغ عددهم ٥٠٠٠ عميل على القيام بجريمة فتح الحسابات بغرض التهرب الضريبي، وطبعاً اللي سووه بفرنسا أكيد سووه بدول ثانية وراح يتلقون صفعات جديدة قريباً، فكبير مديريهم الجديد طلب من المساهمين إعطاءه مهلة ١٠٠ يوم لتقديم خطته لإنقاذ هذا المصرف، وربما صاحبنا عينه على الصناديق السّياديّة في بعض دول الخليج، زين هذه القصة تدخلنا بموضوعين مهمين: الأول هو ما مدى انكشاف دولة الكويت بمؤسساتها التي تتداول بالأسواق العالمية مع هذا المصرف سواء كودائع أو استثمارات؟ وما هي الإجراءات الاحترازية التي قامت بها تلك المؤسسات؟ ولا حد يقول هذا مصرف قوي ولن يفلس فقد سبقه مصرف «ليمان براذرز» الأميركي والذي اختفى مفلساً بين ليلةٍ وضحاها، وعام ٢٠٠٨ لم يكن مصرف «سيتي بانك» بذلك الوقت بأفضل حالٍ منه، فقد انخفضت قيمة السهم فيه من ٧٠ دولاراً إلى ما يقارب الدولار، ولولا الضغط السّياسيّ من الإدارة الأميركية ودخول استثمارات كبيرة من الخليج لتعويم هذا المصرف لكان الآن بذمة التاريخ، والقصد هنا أن الحذر واجب والمثل الشامي يقول «لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة»، فالقطاع المصرفيّ العالميّ يعجُّ بالمصارف ذات السمعة الجيدة، والموضوع الثاني هو قضية نشاط ممثلي البنوك العالمية وخصوصاً العاملين بالخدمات المصرفية الخاصة والموجهة لأصحاب المبالغ الكبيرة من أفراد ومؤسسات، فهؤلاء المصرفيون يدخلون البلاد بسهولة كونهم أوروبيين أو أميركان وما يحتاجون فيزا ويزاولون كل أنواع المعاملات المصرفية من دون تراخيص من الدولة وكأنهم وكما يقال «تجار الجنطة»، وسبق وأن صدر بحقهم منعٌ بعدم مزاولة أي أعمال مصرفية داخل الكويت، ولكن الربع ما زالوا يعملون وكل اللي يسوونه الآن هو تحايلٌ على التعليمات فما يسلمونك أي ورقة أو تقرير باليد ويقعدون معاك ويعقدون الصفقات وبعدين يرسلون لك الأوراق للتوقيع على الإيميل أو البريد، والسؤال اللي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع أي كويتي أن يذهب إلى سويسرا أو أميركا ويقوم بالعمل نفسه؟ الجواب: قطعاً لا، بل سوف يُزجُّ بالسجن وتُرفع القضايا على المصارف التي يُمثلها مثل ما فعل الفرنسيون بهذا المصرف، إذن ليش احنا صايرين وكما يقال «طوفة هبيطة» عندهم، فالبنك اللي وده يعمل في الكويت أهلاً وسهلاً به ولكن من خلال قوانين الدولة، وشنو يمنعهم يفتحون مكاتب تمثيل لهم أو فروع أو على الأقل التحالف مع مصرف كويتي، ولكن الربع أوفر لهم يبعثون مندوب راس ماله جنطته يقعد يومين بالأوتيل ويعقد صفقات بالملايين ويرد ديرته، وأنا آمل من الحكومة ومجلس الأُمة التوافق على قانون يسمح للدولة بمقاضاة تلك المصارف إن قام أيٌّ من موظفيها بمخالفة قانون الدولة، وإذا حد وده يعرف أكثر عن المصرف اللي قاعد أتكلم عنه فما عليه إلا الاستعانة بغوغل وكتابة عبارة «فضائح مصرف سويسري».

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الأول من نوفمبر 2022 (الرابط الإلكتروني)

بنوك الجنطةPDF

موقع دار العثمان

عدد الزائرين:

165 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr