متعثرٌ أم معسرٌ؟

essay image

كوني ممن عاصر الأزمات المالية التي مرت بها الكويت منذ عام 1981، وكنت ممن عمل على تأسيس إدارة معالجة المديونيات الصعبة إبان عملي بأحد المصارف الكويتية، المهم مرّ عليّ كل أنواع المدينين من المساكين إلى المغفلين إلى الحرامية، وكذلك المقترضين الشرفاء وهم للعلم الأغلبية العُظمى، وعندي قصص واقعية حدها تضيق الخلق وبعضها لا يُمكن أن تصدق ولا في الخيال، ولكن ليست لهذا المقال. وموضوعي اليوم عن مشروع قانون إسقاط القروض المُقدم من بعض أعضاء مجلس الأمة، والكل عارف شنو اللي صار في الجلسة والصيحة والصراخ والنقاش، والذي وللأسف أصبح للبعض أسلوب تخاطب بغيض طغى على عاداتنا وتقاليدنا، فيما أضحى الاحترام والنقاش العقلاني عند البعض ضعفا وهوانا، المهم برجع لذلك القانون ولا حد يزعل ولكن حده أعرج وسطحي وغير قابل للتطبيق، والكل عارف أنه مراح يمشي وان مشته الحكومة سيسقط بالمحكمة الدستورية إذا أُقرَّ بشكلهِ الحالي، وأعتقد أن مُقدميه ما هو بغائب عنهم هذا الشيء ولكن قد يكون وكما يقال «غاية في نفس يعقوب»، أيضاً أضع هذا القانون على جنب وبتكلم بالأمر الواقع، فهناك فعلاً أزمة تتعرض لها شريحة كبيرة من المواطنين المُقترضين وغير المُقترضين، وتلك الشريحة تحتاج إلى دعمٍ ولا شك بذلك، ولكن هناك من المُقترضين ليسوا من تلك الشريحة، وشملهم بالحل ليس بحل وليس من العدالة، وأيضا أرقام الحكومة والمتعلقة بنسبة المُتعثرين %2.44 لا تعني عدم وجود أزمة فهذا الرقم مهني ودقيق ويعكس نسبة المُتعثرين، وهناك قواعد عديدة تُنظم مصطلح المُتعثر لدى المؤسسات المُقرضة وتخضع لرقابة البنك المركزي، وأعتقد بأن المشكلة الموجودة بين المجلس والحكومة تكمن في لغة التخاطب، فمثلاً واحد يتكلم صيني والثاني يرد عليه بالفرنسي فشلون بيتفاهمون؟ فالحكومة تشوف بتلك النسبة عدم وجود أزمة وهذا صح والنواب خالطين حاجة المواطن مع حساباتهم الانتخابية، وبعضهم قد يكون لديه أجندة غير، المهم خلوني أترجم لهم فالمدين ثلاثة أنواع (متعثر ومعسر وموسر)، فالمُتعثر الذي توقف عن دفع أقساط عليه لعدد من الأشهر ولا يعني ذلك أن الجميع تحت الإجراءات القانونية، وهؤلاء هم أصحاب نسبة %2.44 اللي تتكلم عنهم الحكومة، أما المُعسر فهو مُقترض وملتزم بشروط قرضه، ولكن آخر الشهر هو وعائلته الله يعلم بحالهم وأي أزمة طارئة تنزلهم إلى خط الفقر، ومثل هؤلاء قد تصل نسبتهم حسب تقديري إلى %40 من المقترضين وهؤلاء هم من يفترض ان يتكلم عنهم النواب، زين البقية الموسرة والتي قد تصل نسبتها إلى %60 ووضعهم عال العال ورواتبهم عالية وقد يكون منهم وزراء وأعضاء بالمجلس وقياديون ودكاترة وغيرهم من اصحاب الايرادات العالية، ليش القانون بيشملهم؟ زين سؤال مستحق، كيف لنا مساواة مقترض آخذ قرض وكمل بناء بيته مع واحد آخذ قرض علشان يسافر ولا بيشتري ساعة رولكس، وين العدالة؟ أيضا هناك مُعسرون من المواطنين غير المُقترضين يفوق عددهم عدد المُقترضين، منو بيساعدهم؟ وشلون؟ وهل يعاقبون على عدم اقتراضهم؟ وهناك مواطنون من جماعة المشاريع الصغيرة التي ورطتهم الحكومة إبان أزمة كورونا وعطتهم فقط تمديد لسداد ديونهم، وللعلم فإن ديونهم تُصنف تجارية وإن قلت ولا تخضع لهذا القانون، زين شلون بتعاملون المقترض اللي سدد 99 قسطا وبقي عليه قسط واحد مع آخر سدد قسطا واحدا ومتبقي عليه 99 قسطا، زين مرة ثانية، بعد سداد القروض الربع بتسمحون لهم يقترضون مرة ثانية ولا ممنوع؟ ولا ننسى بأن هناك الغارمين في السجون نتاج ديون وغفلة ويحتاجون من يعطف عليهم بقانون أو عفو خاص، اعتقد الحل يأتي برفع مدخول المواطن وضبط التضخم، وذلك من خلال دراسة احصائية تتم من قبل اهل الاختصاص، ونعرف من خلالها من هو المتعثر ومن هو المعسر ومن هو الموسر، وماهي آليات الدعم الكافية لرفع معاناة المواطن وبشكل عادل وبنفس الوقت المحافظة على استدامة الدولة المالية.

وتسلمون.

المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثامن عشر من يناير 2023 (الرابط الإلكتروني)

متعثرٌ أم معسرٌ؟PDF

عدد الزائرين:

246 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr