التشريع العادل

يقول المثل الغربي It takes two to Tango، أي إن أداء رقصة التانغو يتطلب اثنين، وأنا أضيف لهذا المثل الطرف الثالث، ألا وهم «العازفون»، وهذا ما ينطبق على الخلل القائم ما بين المواطن وبعض أجهزة الدولة، وأعتقد أن هذا المثلث المترابط هو المُسبب لما يعانيه هذا الوطن، فالعزف بدأ بتشريعاتٍ عرجاء قصيرة النظر من نواب هواة، قامت بها المجالس المُتعاقبة، التي أعطت الشرعية والحماية والدفاع عن المخالفين والمقصرين وغلَّت يد الإصلاح، فتراكمت المشاكل واستغلها عن قصد أو من دون قصد راقصو التانغو، واللي الكثير منهم دخل الحلبة وهو مو عارف إن كان من الراقصين أو من المصفقين، أو حتى إن كان من مقدمي الخدمة لهؤلاء، ولكن الكل في الحلبة، والجميع مشاركون بشكلٍ أو بآخر، وكما أسلفت فالعزف تشريعيٌّ، أما الرقص على أوصال هذا الوطن فيشارك به موظف ومواطن فلا يُمكن لمواطن، سواء على المستوى الشخصي أو الاعتباري، أن يخالف ويتمادى بالمخالفة من دون تراخٍ، وأحياناً مشاركة من بعض ضعاف النفوس من الموظفين، فالفزعة والصحوة بعد حريق عمارة المنقف أخذت تخبو جمرتها، وما قمنا نشوف طلعات للمسؤولين وفرق البلدية بذاك القدر، الظاهر حر عليهم، وبدلاً عن ذلك سمعنا تصريح للمدير العام للبلدية أنه سوف يتقدم لتعديل قانون البلدية وتغيير في الهيكل الوظيفي، حتى تتمكن البلدية من أداء واجبها، وطبعا ذلك شأن البلدية، ولكن آمل الا يكون هناك تشريع يسمح لموظفيك دخول المنازل وغيرها من دون إذن من النيابة، وأنت تعرف زين أن مثل هذا التشريع مخالف للدستور والأحكام القضائية المستقرة، وكذلك تغيير هيكل البلدية ما أدري شنو بيغير، فجُل تلك المخالفات تشوفها شوفة العين من دور رابع وخامس وتسكير وتأجير المعلقات والسراديب، وأكبر دليل على كلامي فزعة البلدية بعد تصريح معالي وزير الداخلية، ففي يوم وليلة مئات السراديب أُخليت، زين السؤال وينكم طوال هذه السنوات؟ والقصد من تلك المقدمة أن المساءلة يجب أن تكون على كِلا الراقصين بالتساوي إن كانت، شخصياً أعتقد الحل بالتشريع العادل، الذي من خلاله تُزال المخالفات من غير ضرر ولا ضرار، وهذا يحتاج رؤية من أصحاب الاختصاص من القطاع الخاص والقطاع الحكومي، وألا تترك بيد البلدية بشكلٍ مطلق لأنهم قد يرمون كل الآثام على المواطن وبيطلعون روحهم من المسؤولية، ولذا فإن خبرة البلدية المتراكمة لن تؤدي إلا إلى المزيد من القص واللزق كما يُقال، وأُعطي مثالاً بسيطاً، تعديل قانون البناء السكني والاستثماري صار له أكثر من أربع سنوات يعابلون فيه، وأخيراً طلعوا لنا بزيادة ارتفاع المنزل إلى ٢٠ متر والسماح بسردابين وغيرهما من الامور التي قد تشجع المواطن على المخالفة، وما حد تكلم عن مواقف السيارات ولا متطلبات الإطفاء ولا سمعنا اي تشجيع او فرض لاستعمال الطاقه الشمسية، ويعني الربع كانوا رايحين باتجاه تتحول به المناطق السكنية إلى عمارات كثافة متوسطة، وتُشكر معالي وزيرة البلدية بالتصدي لتلك التشريعات، ولكن أتمنى أن تسألهم ما بال دراستهم للسكن الاستثماري والتجاري؟ وآمل منها أن ترى الدراسات والنقاشات التي دارت وتدور بهذا الخصوص، وهني راح تعرف شنو اللي قاعد أتكلم عنه، وختاماً أُعيد وأُكرر أنا مع إزالة كل المخالفات وعلى حساب مالك العقار، ولكن شرط تمكينه من ذلك، ولا يكون ذلك إلا بتغيير قانون الإيجار الذي يحمي المستأجر من الإخلاء، حتى لو كانت العين المؤجرة مخالفة، وعندي أحكام استئنافية تثبت ذلك الامر، فيضطر المالك أن يدفع خلواً للمستأجر لإخراجه، طبعاً مو كل مستأجر يرضى يطلع حتى لو دفعت له خلو، ولاحظوا ليس كل الملاك مخالفين فبعض المخالفات تأتي من المستأجر نفسه، مثلاً لو عمل قواطع أو أدخل البلكونة داخل حدود شقته او خالف اي بند من بنود العقد، فقد تحتاج سنوات وأنت بالمحاكم تعابل معاه، وبعض المخالفات ورثها المُلاك الجدد من دون علم من خلال بعض شهادات الأوصاف المضروبة الصادرة من البلدية، وهذي موالها ما له أول من آخر، وعليه فإن تمكين صاحب العقار من إزالة مخالفته وإعطاءه الوقت الكافي لذلك امر واجب، واللي ما يلتزم فالغرامات الفلكية بانتظاره... وتسلمون.
المصدر: جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الخامس والعشرون من يونيو 2024 (الرابط الإلكتروني).
التشريع العادل - PDF




