كُرتهم وكُرتنا

صادف وجودي في المغرب خلال فترة إقامة مباريات بطولة أفريقيا، وكانت تلك المصادفة كافية لأدرك أن ما يجمع هذا الشعب بالكرة المستديرة ليس مجرد ولاء رياضي عابر، بل علاقة تتجاوز المنطق التقليدي للتشجيع، ففي زوايا المقاهي الضيقة، وعلى أرصفة الشوارع المكتظة، وفي تفاصيل الأحاديث اليومية، تلمس أن الكرة هنا ليست هامشاً ترفيهياً، بل محور يلتف حوله النسيج الاجتماعي بأكمله، وخلوني أتكلم عن كرتهم ونرجع لكرتنا بآخر المقال، لم تكن استضافة المغرب للبطولة حدثاً رياضياً فحسب، بل بياناً عملياً على قدرة دولة على أن تحوّل الرياضة من فعل استهلاكي إلى مشروع وطني استراتيجي، فالملاعب التي شهدتها لم تكن مجرد مساحات خضراء، بل منشآت هندسية تعكس معايير دولية صارمة في جودة الأرضيات، دقة الإضاءة، أنظمة السلامة، وسلاسة حركة الجماهير، وما يثير الإعجاب حقاً هو الشبكة الواسعة من الملاعب المنتشرة جغرافياً، وكلها تعمل وفق المعايير ذاتها، هذا الفهم بالتحديد يفسر جزءاً كبيراً من الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في كأس العالم 2022، حين وصل إلى الدور نصف النهائي، هذا الإنجاز كان حصاداً طبيعياً لبذور زُرعت منذ سنوات في تربة خصبة من التخطيط والاستثمار الذكي، فقد بنى المغرب أكاديميات كروية متخصصة، ووضع برامج لاكتشاف الناشئين ورعايتهم، وطور بنية تحتية تدريبية متقدمة، والنتيجة أتت بمنتخب يضم كوكبة من النجوم في أعرق الأندية كأشرف حكيمي في باريس سان جيرمان، وإبراهيم دياز في ريال مدريد، وكثيرين اخرين محترفين في الخليج، فهؤلاء ليسوا حالات فردية معزولة، بل جزء من جيل تشكّل في ظل استراتيجية وطنية واضحة المعالم. وفي قلب هذه الرؤية، يقف مشروع ملعب الحسن الثاني الكبير في بنسليمان كشاهد على حجم التفكير الاستراتيجي، هذا الملعب، بسعة تتجاوز 115 ألف متفرج، هو حجر الزاوية في الاستعداد لكأس العالم 2030، لكن الأهم هو الطريقة التي يُدمج بها ضمن منظومة تنموية شاملة: ربطه بشبكة القطار فائق السرعة، مرافق خدمية متكاملة، ومطار دولي جديد. هذا يكشف أن ما يجري ليس عملاً ارتجالياً ولا غشمرة، بل نهضة عمرانية محسوبة بدقة، تُدار بالأرقام لا بالشعارات، كما أن الجمهور المغربي كان عنصراً فاعلاً في نجاح التجربة، بالحضور الذي يعرف كيف يُشعل الحماس وكيف يدعم فريقه، هذا الوعي لا يُصنع بقرار إداري، بل يُبنى عبر عقود من التربية الرياضية الصحيحة، ورغم أنني من مشجعي السنغال، لا أخفي إعجابي بما قدمه منتخبها من فن وصلابة واستحقاق للتتويج، فإن الإنصاف يفرض الوقوف احترامًا للمنتخب المغربي وجمهوره، أداء مشرّف، تنظيم رفيع، وتجربة أكدت أن المغرب كسب أكثر مما خسر، فـهاردلك للمغرب، ومبارك للسنغال التي قدمت نموذجاً من التفوق الرياضي وشخصياً، سُئلت كيف لي أن أُشجع منتخبا غير عربي؟ وجوابي واحد: فالتزامي الأكيد مع منتخبنا الأزرق ونادي الكويت وغير ذلك فهي رياضة، والخيار فيها متسع وممتع، واكيد الخير والبركة للجميع، زين والحين بتكلم عن كرتنا، فالدولة واتحاد الكرة يسيران بخطى حثيثة لتطوير المنظومة الرياضية، وفي هذا السياق، لا بُدَّ من توجيه الشكر لمعالي وزير الإعلام على جهوده في استضافة مباراة السوبر الفرنسي في الكويت، فهذه الاستضافة ليست مجرد حدث رياضي، بل نافذة تفتح أمام الجمهور الكويتي لمشاهدة نجوم الكرة العالمية على أرضه، وخطوة في الاتجاه الصحيح لجعل الكويت وجهة رياضية إقليمية، ولكن على إدارات الأندية أن تجاري التغيير القادم، فباستثناء نادي الكويت وإدارته، فبقية الأندية محتاجة أن تشتغل على نفسها، وشغلة ثانية والتي سبق وأن تكلمت عنها: الأندية محتاجة اللاعب الموهوب، ومخزن لاعبي المستقبل هو المدارس، فإن أردنا المنافسة، فعلينا أن نعيد النشاط الرياضي للمدارس على أسس علمية، ونعيد دوري المدارس لكل أنواع الرياضة كما كان في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وفكرة إنشاء أكاديمية رياضية لاستقطاب الموهوبين، ترى خوش فكرة، وهناك تجارب في المنطقة يمكن الوقوف عليها، ولا بُدَّ من الوقوف احتفاءً بإنجاز وطني استثنائي حققه منتخبنا لكرة اليد، فبعد فوزه أمس على كوريا الجنوبية، ضمن الأزرق بطاقة التأهل التاريخية إلى كأس العالم، وفي الختام مبارك لكُرة المغرب، وإن شاء الله كل خير وتطور لكُرة الكويت.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثالث من فبراير 2026 (الرابط الإلكتروني).
كُرتهم وكُرتنا - PDF




