من الأرشيف.. حين تنطق الوثائق

نقفُ في هذا المقال على عتبات الأرشيف والوثائق القديمة، تلك الصفحات الصفراء، التي طالما حفظت في طياتها ما عجزت الذاكرة الشفهية عن الإحاطة به، وهذه المرة جاء الأرشيف بما لم تحفظه الذاكرة، إذ كنا نعلم أن المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان تبرّع بأرضين لمسجدين في النقرة وخيطان، وكان هذا هو المتداول بيننا، والمحفوظ في الذاكرة العائلية، حتى جاء يوم فتحت فيه الأرشيف، فوجدت الوثيقة الأصلية المؤرخة بـ13/12/1955، ليتبيّن أن التبرّع شمل أربع قطع أرض وليس اثنتين، ثلاثاً منها في مناطق متفرقة من النقرة وواحدة في خيطان، مع بناء مسجدين في النقرة وخيطان من ماله الخاص. وارتأيت في هذا المقال أن أنقل للقارئ الكريم نص رسالة المرحوم، ونص ردّ دائرة الأوقاف كما وردا، لما يحملانه من رقيّ صياغة تلك الحقبة وجمال مخاطباتها مما بات نادراً في زمننا، فقد جاء في رسالة المرحوم إلى مجلس الأوقاف ما يلي: «حضرة صاحب السعادة رئيس مجلس الأوقاف المحترم، بعد التحية والاحترام سيدي، لقد تبرعتُ بأربع قطع أرض تُبنى عليها أربعة مساجد: الأولى في الناحية الشرقية من قرية النقرة طول مئة قدم وعرض ثمانين قدماً، والثانية في الناحية الوسطى من قرية النقرة طول مئة وعشرين قدماً وعرض مئة قدم، والثالثة في الناحية القبلية من قرية النقرة طول مئة وخمسة وعشرين قدماً، وعرض مئة وخمسة وعشرين قدماً، والرابعة في الناحية الغربية من قرية خيطان، وتقع على جانب طريق الأحمدي، وهذه مساحتها حسبما يسمح به الموقع، كما أني أتبرّع أيضاً ببناء جامعين منها، وهما الجامع الذي يقع في الناحية الوسطى من النقرة، والجامع الذي في قرية خيطان، لهذا أرجو أن تتسلم دائرة الأوقاف القطعتين الواقعتين في الناحيتين الشرقية والغربية من النقرة. وختاماً، أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه». ليأتي بعدها ردّ مدير الأوقاف سريعاً يليق بما قُدِّم بتاريخ السادس عشر من يناير 1956 على النحو التالي: «حضرة المحسن الكريم الأخ الفاضل الحاج عبدالله عبداللطيف العثمان المحترم، تحية طيبة، وبعد، فقد تسلمت منذ مدة كتابكم الكريم الموجّه لرئيس مجلس الأوقاف، وفيه تتبرعون بثلاث قطع أرض في النقرة لبناء ثلاثة مساجد عليها، أحدها رغبتم أن يتم بناؤه على حسابكم الخاص، كما تبرعتم بقطعة رابعة في قرية خيطان، ورغبتم في بنائها مسجداً على نفقتكم أيضاً، وكم كان بودي أن أقدمه للمجلس، لو أن المجلس عقد جلسة خلال هذه المدة، ولذلك لا يسعني تجاه هذا الشعور النبيل الفياض والعاطفة الدينية الكريمة إلا أن أتقدّم إليكم بجزيل الشكر، سائلاً المولى أن يديم توفيقه عليكم، وأن يكثر من أمثالكم بين رجالاتنا». ومما يضفي على هذه الوثائق بُعداً إنسانياً أن اسم المربي الفاضل عبدالرحمن المجحم كان يتصدّر كثيراً من مراسلات المرحوم عبدالله العثمان مع وزارة الأوقاف، إذ كان بوخالد وكيلاً للوزارة في الفترة الممتدة بين عامي 1964 و1975، وهو الرجل الذي جمعت مسيرته بين العلم الشرعي، إذ تخرّج من كلية الشريعة بالأزهر عام 1956، والعمل المؤسسي الذي تدرّج فيه من مدرّس في المعهد الديني إلى وكيل للدفاع ثم وكيل للأوقاف فمحافظاً للجهراء ثم حولي، حتى أحكم بذلك جسراً نادراً بين الفقه والإدارة. أما شقيقه الفاضل عبدالمحسن المجحم بوعبدالله، فقد عاصرناه في الهيئة العامة لشؤون القُصَّر، وعرفنا فيه خير الرجال وأوفاهم، وهو الذي بدأ مشواره في بيت التمويل الكويتي منذ تأسيسه، ليكون من أوائل من أرسوا نظمه الإدارية، ثم انتقل إلى الهيئة العامة لشؤون القُصَّر مديراً عاماً، فكان للأيتام والأرامل والقصّر خير راعٍ وأمين. ولعل أبلغ ما يُقال فيه انه في غمرة الاحتلال العراقي عام 1990 لم يتردد في المجازفة بنفسه لإنقاذ سجلات الهيئة وملفات مستحقيها من الضياع، فحفظ بذلك حقوق من لا حافظ لهم. ولا يزال الأرشيف يحتفظ بما هو أكثر، وهذه قصص نطقت بها الوثائق بعد عقود من الصمت، أحببنا أن نشارككم إياها، وكم في أرشيفنا من صفحات مطوية تنتظر من يفتحها ليجد فيها ما لم يكن يتوقع.
وتسلمون.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثامن والعشرون من أبريل 2026 (الرابط الإلكتروني).
من الأرشيف.. حين تنطق الوثائق - PDF




