معالي وزير الصحة

essay image

اليوم بتكلم عن فلسفة الجزء الممتلئ من الكأس، فالإنسان بطبعه وذاكرته الفطرية يتفاعل مع ما يراه أولاً، وتُختزن تلك الرؤية أو التجربة في الذاكرة، ثم تأتي تجارب أخرى تعلوها، ونسترجع من تلك الذاكرة أحداثاً وصوراً، ومنّا من يملك ذاكرةً قوية، ومنّا من هو أقل حدّةً، وبدرجات تتفاوت بين الناس، بيد أننا أحياناً، بل في الغالب، نتعامل مع ما هو حديث في تلك الذاكرة ونتفاعل معه، ونُغفل أو نتناسى ما يناقضه، بمعنى أنك قد يكون لديك صديق كريم صحبك عشر سنوات، ولكن لسبب قد تجهله تغيّر في آخر عام، فسبحان الله! يبدأ يتراءى لك، وكأنه إنسان بخيل، نتيجةً لتصرفاته خلال تلك السنة، والحال أنه بالقياس الصحيح كريم بنسبة تسعين بالمئة، ولا يمكن وصفه بالبخل نتيجة عام واحد من أصل عشرة أعوام، وللأسف، هذا الطبع موجود في مجتمعنا الكويتي بشكل لافت، وهو نتاج طبيعتنا المنفتحة على الحوار والنقد والتحلطم، فلدينا هامش واسع من حرية الرأي والتعبير، سواء في الديوانيات أو في وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن كمجتمع نتقبّل ذلك، وربما تكون هذه ميزة طيبة فينا، كما يُقال: «الصدر وسيع»، غير أن الإحباطات التي مرّت بها الكويت في العقدين الماضيين، من تراجع الخدمات وتفشّي الفساد، جعلتنا أكثر يأساً وإحباطاً، وأي شي زين ما نشوفه، وذاكرتنا مشحونة بالسلبيات، وهذا أمر ما هو بأمر طيب، وبفضل من الله ونعمته، وبتوجيهات صاحب السمو أمير البلاد، حفظه الله ورعاه، يضطلع مجلس الوزراء بعمل جبار، يتسابق فيه مع الزمن لإصلاح ما أتلفته العقود الماضية، والنهوض بالبلاد نحو مستقبل واعد، ولا شك أن «الشق عود»، ويحتاج إلى وقت وجهد، وأحياناً إلى استخدام المشرط لاجتزاز الفساد وإزالة الصدأ من مفاصل مؤسسات الدولة، واليوم، وبفضل من الله، بدأنا نرى نتائج ذلك العمل المضني، فهذه شوارعنا تُعاد تهيئتها من جذورها، وللمرة الأولى منذ عقدين لم نعد نشهد الحصى يتطاير والحفر تتشكّل في الطرق بعد كل رشة مطر، واللي أحاول أوصله هو أن يكون دورنا نحن الكتّاب قائماً على الحديث عمّا يُنجز وما هو جميل في هذا الوطن، كما ننتقد السلبيات بموضوعية وإيجابية، بعيداً عن التجريح وتحطيم الهمم، وفي إطار ما يكفله القانون، وكما تناولت في مقال سابق عن معالي وزير التربية المهندس سيد جلال الطبطبائي «لمن تقرع الأجراس؟»، فإنني اليوم أتوقف مع وزارة الصحة ووزيرها معالي الدكتور أحمد العوضي، وأكرّر هنا: هذا ليس من باب المجاملة، فأنا والحمد لله لا تربطني مصالح مع الحكومة، ولكن الحق وجب أن يُقال، فالمنظومة الصحية في البلاد مرّت خلال العقود الثلاثة الماضية بترهّل خطير، وما يحتاج أتكلم عن القطاع الحكومي، فالكل يعلم حاله، أما القطاع الخاص فليس بأحسن نظام أفسد الكثير منهم كرت عافية، أما بعض الصيدليات فحدّث ولا حرج، إذ بات بعضها يبيع الممنوع لضعف الرقابة أحيانا، والمهم أن هذا الواقع بدأ خلال السنتين الماضيتين يأخذ منحىً إصلاحياً صارماً وحازماً، وبات القطاع الصحي تحت المجهر والغربلة، واليوم أقرأ في الصحف عن إعلان مشاريع صحية ضخمة بتكلفة تبلغ 650 مليون دينار، من بينها مستشفيات السرطان والصدري والصباح وغيرها، وكنت أتمنى أن يُخصَّص بعض من تلك الخطط لمستشفى مبارك العريق، فرغم أن كادره الطبي من النخب المتميزة، فإن المبنى يحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة ترفعه إلى مستوى المستشفيات الحديثة، وكذلك وجوب النظر بجدوى مركزية الخدمات المساندة لكل المستشفيات، المهم هذا الإنجاز الكبير لا بد أن يكون وراءه رجال مخلصون، في مقدمتهم معالي وزير الصحة الدكتور أحمد العوضي، وصراحةً، لا تربطني به أي علاقة شخصية أو مصلحة، بيد أنني تعرّفت عليه حين ناب عن معالي وزير الأوقاف إبان إجازته قبل نحو 3 سنوات، وكان من المفترض أن يرأس مجلس إدارة بيت الزكاة، فاتصل بي بصفتي نائب الرئيس، وطلب مني رئاسة الجلسة، وكان دقيقاً جداً في تعليماته، وكرّر ملاحظاته أكثر من مرة، فقلت له: «لا تحاتي أنا حريص أكثر منك»، فبالإنابة أنا ما مشي إلا فقط العاجل من الأمور المتفق عليها، والبقية إلى حين عودة الوزير المعني، وبعدها حضر مشكوراً افتتاح مركز إسعاف العثمان، الذي كان تبرعاً من وقف الوالد رحمه الله، حيث جهّزنا موقعاً لاستضافة مركز إسعاف في وسط حولي، وأصررت على حضوره، ليس لقصّ شريط، بل تكريماً للجنود المجهولين في قطاع الإسعاف، فهؤلاء الشباب يؤدّون عملاً جبّاراً كما هو الحال مع رجال الإطفاء، وكان حفلاً جميلاً جمع المسعفين بوزيرهم، والكل طلع مستانس، المهم أنني لمست في الدكتور أحمد الكثير من التواضع ودماثة الخلق وحبّه اللامحدود لخدمة المواطنين، ولفت انتباهي على حسابه في الواتس أب كلمات لابن حزم الأندلسي تقول: «من تصدّر لخدمة العامة، فلا بدّ أن يتصدّق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى إن واصل الليل بالنهار»، ولكنني أردّ عليه بأبيات المتنبي: على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ.. وتأتي على قَدْرِ الكِرامِ المكارمُ، وتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها.. وتصغُرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ، وشكراً من القلب لكل العاملين في القطاع الصحي، وأذكركم بأن أمامكم الكثير من العمل حتى نقدر نقول غدا الشر

وتسلمون. 

 جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء الثالث من مارس 2026 (الرابط الإلكتروني).

معالي وزير الصحة - PDF