وصايا لا تموت

 

 

منظومة العمل الخيري العالمي، التي أسست لها دولة الكويت، نتاج عقود من التنظيم. في زمن نشهد فيه أمام أعيننا انهيار دول حين انهارت أعمدة الرحمة والمحبة فيها، تأتي تسمية العالم دولة الكويت مركزاً إنسانياً عالمياً، وتكريم أميرها المفدى قائداً للعمل الإنساني، ليذكرنا جميعاً نحن أبناء هذا الوطن الجميل بالروح الحقيقية المعطاءة للكويت، التي كانت دوماً سوراً لها يحفظها في عين الرحمن من كل شرّ وأذى. منظومة العمل الخيري العالمي التي أسست لها دولة الكويت قيادة وشعباً، لدعم كل مجتمع، وجد نفسه يصارع الحروب والنكبات ونوائب الفقر، هي ليست وليدة الحاضر القريب، بل هي نتاج عقود من التنظيم، ابتدأها صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، مع مجموعة من رجالات الخير من أبناء الكويت عام 1954، مع تأسيس اللجنة الشعبية لجمع التبرعات وتعيين صاحب السمو رئيساً فخرياً لها. فمنذ ذاك الوقت، علم صاحب السمو برؤيته الثاقبة واستشرافه للمستقبل ضرورة تنظيم العمل الخيري الكويتي ضمن كيان واضح، لا يوجه فيه المال لتحقيق مآرب لا تمتّ الى الإنسانية بصلة. لذلك، وحين توجه صاحب السمو في خطابه التاريخي الى رجالات الخير في الكويت، ماضياً وحاضراً، مهدياً لهم التكريم السامي، إنما جاء الإهداء لما عاصره صاحب السمو بنفسه من المبادئ الإنسانية التي تجسّدت في عطاء هؤلاء الرجال. هذه المبادئ عاصرتها أنا - أيضاً - مع والدي رحمه الله المحسن الكبير عبدالله العثمان. ومن بحثي المستفيض وجدت أن كثيراً من تلك التبرعات انما تحققت بفعل الجهود الحثيثة لرجالات من الكويت، أبوا إلا أن يهبوا في نصرة أخيهم الإنسان على أي أرض استغاثت بالنداء. ومن بين تلك السجلات رسالة مؤرخة عام 1965 إلى والدي من أحد رجالات الكويت الأبرار المرحوم محمد قبازرد، يتوجه فيها بضرورة مد يد العون الى أبناء شعب باكستان الشرقية (بنغلادش) الذي يعاني من نكبة الإعصار المدمر، الذي أودى بكثير من الضحايا. هذه الرسالة تجسّد روح العمل الخيري الشعبي الكويتي القائم على المبدأ الإنساني، فما كان المذهب ولا الانتماء السياسي والقومي الفيصل في تلبية نداء الخير. تلك الروح المتأصّلة في أرض وطني، أخشى عليها الآن من التآكل مع كل نفس طائفي وفئوي بغيض يسعى الى تحويل العمل الخيري الكويتي الى منظومة تمويل لأهداف سياسية ومذهبية. لذا، وحتى تبقى الكويت منارة للإنسانية لا بد لنا أن نحصّن أعمدة المحبة والرحمة في عملها الخيري، وهذا لا يكون - برأيي - إلا بأمرين: أولهما، أن تمارس الحكومة كامل سلطاتها الرقابية على منظومة التبرع في الكويت، حماية لمال الخير الذي وهبه أصحابه تلبية لنداء جبر الألم وتفريج الكربة، فلا يأتي اليوم الذي يجد أصحاب الخير أنفسهم وقد جيّر مالهم في سبيل خلق الألم وصنع الكربة. أما الأمر الثاني، فيتمثل في أن نعود بكل أطيافنا الى قراءة وصايا آبائنا واجدادنا في عمل الخير واستحضار المحبة والرحمة اللتين كانتا النبراس في مسيرتهم. فكثيرٌ من رجالات الكويت المعطائين ضاعت مآثرهم وسقطت سهواً عن ذاكرة الكويت التي تتجاوز فيها عدد ايادي العطاء اكثر بكثير، مما يُذكر عادة في دوائر العمل الخيري. ومن هذا المنطلق، فإني أدعو كل عائلة كويتية الى حمل القلم وتدوين تاريخ أبنائها في العمل الخيري والحفاظ عليها من الضياع. فأنا فاعلٌ هذا، ليس تجاه أبي وحسب، بل تجاه كل رجل خير من أبناء الكويت، من منطلق إيماني بان الوقت قد حان لنحيي وصايا آبائنا واجدادنا، حتى تبقى تلك الوصايا حيةً فينا وفي ابنائنا، لا تموت الى ان يأتي اليوم الذي يرث فيه الله الأرض ومن عليها في آخر الزمان.

 

 عدنان عبدالله العثمان

المصدر: جريدة القبس ١٣ أكتوبر ٢٠١٤ ( الرابط الالكتروني ) 

وصايا لا تموت Pdf

موقع دار العثمان

عدد الزائرين:

328 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تغيير اللغة

arenfrdeestr