الصانع وجبل الجليد

 

 

أحسن وزير العدل بما قام ويقوم به من غربلة ونفض للمؤسسات التابعة لوزارته، ولكن تغيير الأفراد وتدويرهم لا يكفي لإزالة صدأ السنين الذي ران على نظامها. والخلل بالنظام والفكر هو كجبل الجليد: الظاهر منه قليل والكثير مخفي تحت الماء.

ونتقدم بالتهنئة للأستاذ براك الشيتان على منصبه الجديد مديرا عاما للهيئة العامة لشؤون القصر، وأقول الله يعينك على هذه المسؤولية. وكوني أحد من رعتهم تلك المؤسسة قاصراً، وأنا الآن وصيٌّ على ثلث والدي شراكةً مع الهيئة، فقد تعاملت خلال تلك السنين مع كل المديرين العامين الذين تعاقبوا على الإدارة منذ عهد المرحوم خالد المطوع إلى عهد المدير المستقيل. وكلما قمت بزيارة المدير العام يشد انتباهي هناك هرم رخامي أسود اللون يوضع عادة في بهو الدور المخصص للمدير، ويشمل أسماء المديرين العامين المتعاقبين. فكلما جاء مدير جديد ارتفع هذا الهرم ووضع اسمه على المصطبة الجديدة. وتأخذني الذاكرة عند تعيين المدير المستقيل، حيث أبلغته بأني عاصرت هذا الهرم لسنوات، وهأنا أرى هذا الهرم يرتفع باضافة اسمك، ويوماً ما سترحل ويضاف اسم غيرك، أما أنا فسوف أبقى شاهداً على تاريخ دونته لكل هؤلاء المديرين، فجميعهم رحلوا مع بصماتهم ان كانت خيراً فلهم، وان كانت شراً فعليهم. منذ تاريخ تلك الزيارة لم أرَ هذا الهرم، ولا أعلم مآله، ولكن هأنا أبارك لك المنصب الجديد، وأعيد عليك ما قلته لمن قبلك وأضيف، وأنت خير العارفين، بأن العمل في شؤون القصر ليس كالعمل في أي مؤسسةٍ أخرى، فأنت مسؤول عن أيتام الكويت، ووصيٌّ على أموالهم ومنفذٌ لوصاياهم، وأنت الأب المساءل أمام الله قبل القانون. وسوف تجد من يحاول تطويعك لتتكيف مع نظام محاسبي، ربما فاسد، بُني على بخس القاصر حقه تحت مسميات وتبريرات ما أنزل الله بها من سلطان، وربما ستجد إدارة قانونية فاقدة للبوصلة تعطي الرأي الذي يُشتهى، فتُخسر الهيئة قضايا وتبطل لمجلسها قرارات. ويمكن أن تجد لجنة مغيبة ينقل عنها، طباعة القرآن الكريم ليست من أعمال البر وتستغل لتوفير غطاء لمنع القصر من الحصول على حقوقهم من الأرباح المرحلية والاحتياطيات. وفي الوقت نفسه سوف ترى هناك الكثير الكثير من الأخيار العاملين في الهيئة، وبالأخص نوابك، فقد تعاملت معهم لعقود طويلة، ويستحقون كل الشكر والتقدير. عزيزي المدير العام الجديد: أمامك إرثٌ إداريٌّ بُني أحياناً على المركزية، وفلسفة الشخص الواحد، وجبلُ جليدٍ كتب عليك اذابته. 

لك، ولأهل الكويت، وللتاريخ، أدون سباعية تلخص رحلتي مع تلك المؤسسة التي قاربت الخمسين عاما.

 

عدنان عبدالله العثمان

المصدر: جريدة القبس ٢٣ فبراير ٢٠١٥ ( الرابط الالكتروني ) 

الصانع وجبل الجليد Pdf