شكراً كوني

 

 

 

بمناسبة عيد الأم طرأت على بالي قصة قلت اشرككم معي، ربما نطلع بعبرة، فلي معرفة بأسرة كويتية حالها حال بقية الأسر التي يعتمد فيها رب البيت على الخادم. وفي بداية الحياة الزوجية اتفق الزوجان على إنجاب الأطفال؛ تتعهد الأم بتربية الأبناء ورعايتهم من دون خادم. طبعاً الزوجة سايرت زوجها وأعطته ما أعطته من وعود غليظة على مبدأ «بعدين يصير خير»،. وبعد إنجاب أول طفل انقلبت حال المرأة، ووجد الزوج نفسه أمام الأمر الواقع، ويا خادمة تعالي خذي العيال. وهنا دخلت كوني البيت (خادمة فلبينية)، ومع الأيام حلّت كوني محل الأم بتربية الأطفال والإشراف على تعليمهم ومتابعة مشاكلهم، أما الأم فقد انجرفت في دوامة العروس والواجبات الاجتماعية والتعلق بالمظاهر المادية. وبعد ثلاثين عاماً من خدمة كوني المتفانية أضحت هي عمود الأسرة والشخص الأقرب الى الأطفال. لكن شاءت الأقدار أن تصاب بمرض أقعدها عن العمل فعادت إلى وطنها، وما نسي صاحبي مكانتها في البيت الذي احتلته بمحبتها لأسرته فاستمر بدفع راتبها وتكفل بكل مصاريف علاجها لأكثر من أربع سنوات وفاءً منه ومن أبنائه تجاهها. وهي كذلك ظلت على حبل الوفاء، فما انقطعت يوماً عن السؤال عن الأولاد الذين أضحوا رجالاً وسيدات إلى أن توفاها الله. وكم حزن صاحبي وأبناؤه عليها، فجزاهم الله خيراً على فعل الإحسان برد الجميل لمن أفنت حياتها في خدمتهم، هي التي عاشت بلا زوج ولا أبناء لها. ويقول صاحبي وبحسرة إن ما يحمله أولاده من مشاعر تجاه والدتهم لا يقارن بمشاعر محبتهم تجاه كوني. وأجبته لا تحزن يا صاحبي فالحال من بعضها، واحمد ربك أن رزقك بكوني الطيبة، بس غيرك أولادهم عند اللي ما يرحم. فلو أدركت الأم البلاء العظيم في تخليها عن رعاية بيتها وتنازلها عن نعمة أمومتها لخادمة في مقابل راحة ومال ومظاهر لا قيمة لها أمام محبة أطفالها لما فعلت ذلك. ولأهون على صاحبي ومن باب الفكاهة تمنيت على الحكومة منح الكويتي لدى زواجه من الكويتية، إضافةً إلى المهر وقرض الزواج، زوجةً فلبينية أو هندية وذلك لخدمة بيته وتربية أبنائه، أو حتى إنجاب أبناء زوجته الكويتية حتى لا يخترب جسمها، وضحك صاحبنا. ولا تزعل مني الكويتية فتلك الحالات لا تمثل الغالبية ولكن العبرة في التذكير، فليس من المعيب وجود الخادم والمربية، لكن المعيب أن نترك لهم أدوارنا كأبوين، وصدقوني بناتي وأخواتي الكويتيات السنون تمر سريعاً ويوماً سنستيقظ على واقعٍ أليم ندرك فيه أنَّ لا محلّ لنا في قلوب أبنائنا، فالمحل قد شُغر بمن رعاهم حقاً. وحينها لن ينفع الندم.

وشكراً كوني.. شكراً على ما قدمته لتلك الأسرة.

 

 

عدنان عبدالله العثمان

المصدر: جريدة القبس ٢٨ مارس ٢٠١٦ (الرابط الالكتروني)

شكراً كوني Pdf