عافية

 

 

قعدت الصبح مريضا، فقلت أروح الطبيب، وتذكرت أني مشمول بالتأمين الصحي، كوني من المتقاعدين، فذهبت إلى مستوصف المنطقة لتسلّم الكرت. وعند وصولي وجدت غرفة خاصة لتوزيع البطاقات، وأمامي عدد من المتقاعدين، والصراحة أثلجت صدري طريقة التعامل الراقية جداً التي قدمها الموظفون للمراجعين، حيث انني لست معتاداً على رؤية موظفي الدولة بتلك اللطافة والرغبة في خدمة المواطن، والمعاملة لم تأخذ من وقتي أكثر من خمس دقائق، وليتني أخذت أسماء هؤلاء الموظفين لأتوجه بشكر خاص على تلك المعاملة الراقية، التي أتمنى من موظفي الدولة الاحتذاء بها، فالمواطن لا يطلب منكم سوى المعاملة الطيبة، وأن تنتهي معاملته من دون تعقيد ولا واسطة. وذهبت إلى طبيبي في مستشفى خاص، وأول ما سألني: أخذت بطاقة عافية؟ فأجبته بنعم، والدكتور ما ترك فحصا إلا وسواه! وأخيراً قال لي عندك انحراف في الأنف فشرايك نسوي لك عملية؟! الصراحة ضحكت، وقلت: لكن دكتور سبق ووصيتني بعدم إجراء أي عملية للأنف لعدم الحاجة الماسة لها.

بعدين كملها، وقال سأكتب لك وصفة مضاد حيوي مع أنك لا تحتاج إليها لكن احتياط، فاستغربت أيضاً لأنه كان يرفض مبدأ وصف المضاد، لكن يبدو أن مبادئه كلها تغيرت! وبعد اطلاعي على الفاتورة وجدت ضعف ما اعتدت دفعه قبل التأمين، فعرفت ليش متى ما دخلت مستشفى أو عيادة يسألك الاستقبال إن كان لديك تأمين أم لا، فإن كنت مؤمناً اشتغلوا عليك فحوصات ما لها أول من آخر، ووصفوا لك أدوية لا تحتاج الى معظمها، وتضطر الى رميها في القمامة، وإذا قدروا يقنعونك بضرورة إجراء عملية ما راح يقصرون.

تلك المسألة تخص المستشفى وشركة التأمين ولا علاقة للحكومة بها، لكن العتب على بعض الأطباء والمستشفيات ممن تنازلوا عن أدبية التعامل الإنساني والمهني فقط لمضاعفة أرباحهم، حتى وإن كانت على حساب صحة الناس. ولا أعمم هنا، لكن بدأت بملاحظة هذا النهج، ولذلك أنصح المرضى ممن يملكون تأمينا الحذر من توصيات بعض الأطباء، والتأكد من ضرورة الإجراء الطبي عن طريق استشارة رأي طبي ثان.

وتعود بي الذاكرة الى أول مشروع تأمين صحي في الكويت، الذي أسسه والدي، رحمه الله، وذلك بكفالته لغرفتين من المستشفى الأمريكاني مخصصتين بكامل الخدمة الطبية لعلاج فقراء الكويت، يدفع مقابلها من حسابه الخاص، وقد حرص والدي على استمرارية كفالته حتى بعد وفاته، فأوصى بها في وصيته، وتم العمل بالكفالة حتى تاريخ إغلاق المستشفى.

ولما للتأمين من أثر عظيم، أقول للحكومة التي أقرت التأمين للمتقاعدين، وكذلك لكل من ساهم، ما قصرتوا ويعطيكم ألف عافية، وأتمنى أن يتم تطويره فيشمل تغطية علاج الحالات المستعصية في الخارج، فأهل الكويت يستاهلون الأفضل.

 

عدنان عبدالله العثمان

المصدر: حريدة القبس ٩ نوفمبر ٢٠١٦ ( الرابط الالكتروني )