تاريخ مشترك.. ومستقبل واحد

ليس الاحتفاء بالعلاقات الكويتية - الإماراتية مجرد مناسبة بروتوكولية، بل هو توقّف واعٍ أمام نموذج استثنائي من العلاقات العربية التي بُنيت على أرضية صلبة من التاريخ المشترك. إنها قصة شعبين جمعهما البحر قبل أن تجمعهما الدولة، ووحّدتهما القيم قبل أن توحّدهما المعاهدات، إذ تعود جذور هذه العلاقة إلى ما قبل قيام الدولتين الحديثتين بعقود طويلة، حيث لم تكن الحدود السياسية يوماً حاجزاً أمام روابط النسب والتجارة والهجرة التي نسجت خيوطاً متشابكة بين أهل الكويت وأهل الإمارات على امتداد الساحل الخليجي. تشاركوا البحر ذاته مصدراً للرزق، واللهجة المتقاربة لغةً للتفاهم، والقيم الاجتماعية نفسها إطاراً للحياة، ومع إعلان استقلال الكويت عام 1961، ثم قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، دخلت العلاقات مرحلة «الدولة إلى الدولة»، لتأخذ طابعاً مؤسسياً قائماً على الاحترام المتبادل والتعاون المنظم؛ وسياسياً، لم تكن العلاقات مجرد تبادل للزيارات الرسمية أو التصريحات الدبلوماسية، بل اتسمت بتوافق عميق في المواقف، خصوصاً تجاه القضايا الخليجية والعربية. وقد شكّل قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 إطاراً جامعاً لم يعزز هذا التنسيق فحسب، بل أسّس لرؤية موحّدة حول الأمن الإقليمي، والتنمية المستدامة، والتكامل الاقتصادي. ولعل أبرز محطات هذا التوافق، وأكثرها دلالة، كان الموقف الإماراتي الحازم والداعم للكويت خلال محنة الغزو العراقي عام 1990، فقد كانت المشاركة الإماراتية في تحرير الكويت ترجمة فعلية لمعنى الأخوة الخليجية في أحلك الظروف، وتأكيداً على أن الروابط بين البلدين عبارة عن مبادئ تُجسَّد على الأرض عند الحاجة؛ وعلى الصعيد الاقتصادي، لم تقف العلاقات عند حدود التبادل التجاري التقليدي، بل تجاوزته إلى شراكات استراتيجية في الاستثمار، والطاقة، والعقار، والخدمات المالية، والقطاعات التقنية الحديثة. وتُعد الإمارات اليوم من أبرز الشركاء التجاريين للكويت، بينما تحظى الاستثمارات الكويتية بحضور فاعل ومؤثر في السوق الإماراتي، في مقابل دور إماراتي متصاعد في المشاريع التنموية داخل الكويت، وهذا التبادل الاقتصادي ليس مجرد أرقام تجارية أو عوائد مالية، بل يعكس ثقة متبادلة عميقة في البيئة الاستثمارية لكلا البلدين، ورغبة مشتركة في تنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد غير نفطي قادر على مواجهة تحديات المستقبل. أما على الصعيد الثقافي والاجتماعي، فإن العلاقة لا تقل عمقاً عن أبعادها السياسية والاقتصادية، فالتبادل الثقافي، والمشاركات الأدبية، والفعاليات الفنية، والأنشطة الشبابية، كلها تُسهم في ترسيخ صورة متقاربة، بل ومتداخلة للمجتمعين الكويتي والإماراتي. وحركة المواطنين بين البلدين - سواء للسياحة، أو العمل، أو الدراسة - تتم بسلاسة نادرة، تعكس مستوى استثنائيًا من الثقة والتقارب الشعبي، ويأتي أسبوع الاحتفاء بالعلاقات الكويتية - الإماراتية ليكون أكثر من مجرد مناسبة احتفالية، إنه مساحة منظّمة لتسليط الضوء على هذه الجوانب كافة، من خلال الندوات الفكرية، والمعارض التاريخية، والبرامج الإعلامية، والأنشطة التعليمية الموجّهة للشباب، بما يعزز وعي الأجيال الجديدة بعمق هذه العلاقة، ويؤكد مسؤوليتهم الوطنية في الحفاظ عليها وتطويرها. فالاحتفاء هنا ليس استذكارًا للماضي فحسب، بل هو استثمار واعٍ في المستقبل، ورسالة واضحة بأن ما يجمع البلدين أكبر وأعمق من أي تحديات ظرفية. وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبرز هذه العلاقات كنموذج للعلاقات العربية القائمة على الاحترام المتبادل، والتكامل، وحسن الجوار، ومن خلال هذا الأسبوع، تُجدد الكويت والإمارات التزامهما بمسار مشترك يقوم على التعاون، والاستقرار، والعمل الخليجي الموحد، بما يخدم شعبيهما ويعزز أمن وازدهار المنطقة بأسرها، ومن هذا المقال تحية مودة ومحبة للشعب الإماراتي العزيز وقيادته الحكيمة، ولسعادة سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في الكويت، الدكتور مطر حامد النيادي، على جهوده الدؤوبة في تعزيز أواصر التعاون بين البلدين الشقيقين.
وتسلمون.
***
كل الشكر والتقدير لمعالي وزير الإعلام السابق السيد عبدالرحمن بداح المطيري، الذي كان نموذجاً رفيعاً في المهنية والإنجاز وبالأخلاق الكريمة وحُسن التعامل، ونقول كفيت ووفيت يا بويوسف والله يديم عليك الصحه والعافية.
جريدة القبس في عددها الصادر الثلاثاء العاشر من فبراير 2026 (الرابط الإلكتروني).
تاريخ مشترك.. ومستقبل واحد - PDF




